تتحرك مصر نحو تعزيز حضورها في الملفات البيئية الدولية، مع بدء الاستعدادات لاستضافة الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عام 2028، في خطوة تفتح المجال أمام تحركات أوسع لمواجهة تحديات الجفاف وتدهور الأراضي والندرة المائية، خاصة في الدول الأفريقية والنامية.

وفي هذا السياق، التقى الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، الدكتورة ياسمين فؤاد، السكرتير التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، لبحث أولويات التعاون بين مصر وسكرتارية الاتفاقية خلال المرحلة المقبلة، ومناقشة الاستعدادات المتعلقة باستضافة المؤتمر المرتقب.

ويأتي اللقاء في وقت تتزايد فيه أهمية قضايا البيئة والمناخ بالنسبة إلى الدول التي تواجه ضغوطًا متنامية على مواردها الطبيعية، ما يجعل المؤتمر فرصة لطرح التحديات التي تواجه مصر والمنطقة العربية والقارة الأفريقية على طاولة النقاش الدولي.

بدر عبد العاطي: اختيار مصر يعكس الثقة الدولية

أعرب وزير الخارجية عن تقدير مصر لاختيارها بالإجماع لاستضافة الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عام 2028، مؤكدًا أن هذا الاختيار يعكس الثقة الدولية في الدور المصري في القضايا البيئية والمناخية، وفي دعم العمل متعدد الأطراف.

وأشار عبد العاطي إلى أن استضافة المؤتمر تأتي امتدادًا للخبرة المصرية في تنظيم المؤتمرات البيئية الدولية، بعدما استضافت مصر الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ «COP27» عام 2022، إلى جانب الدورة الرابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي عام 2018.

وتعكس هذه المحطات اهتمام مصر بتعزيز مشاركتها في المناقشات الدولية المتعلقة بحماية البيئة، ودعم التعاون بين الدول لمواجهة التحديات التي تتجاوز آثارها الحدود الجغرافية.

وأكد وزير الخارجية حرص مصر على مواصلة التنسيق الوثيق مع سكرتارية الاتفاقية، بما يسهم في الإعداد الجيد للمؤتمر وضمان نجاحه، إلى جانب مواصلة العمل على تنسيق المواقف العربية والأفريقية والدفاع عن أولويات الدول النامية ومصالحها.

الجفاف والأمن المائي والغذائي في صدارة الأولويات المصرية

لم تقتصر المباحثات على الترتيبات الخاصة باستضافة المؤتمر، بل امتدت إلى بحث سبل تعزيز التعاون في مجالات مكافحة التصحر والجفاف وتدهور الأراضي، وهي تحديات ترتبط بصورة مباشرة بقدرة الدول على حماية مواردها الطبيعية وضمان استدامة الإنتاج الزراعي.

وشدد وزير الخارجية على أن قضايا الجفاف والأمنين المائي والغذائي تأتي في مقدمة الأولويات الوطنية المصرية، مؤكدًا أهمية تبني مقاربة وقائية وتنموية للتعامل مع هذه التحديات، بدلًا من الاقتصار على معالجة آثارها بعد وقوعها.

وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة في ظل الضغوط التي تواجه الموارد المائية والأراضي الزراعية في عدد من مناطق العالم، لا سيما في أفريقيا، حيث يمكن أن يؤدي تدهور الأراضي وتراجع خصوبتها إلى زيادة الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن التأثير في سبل معيشة المجتمعات التي تعتمد على الزراعة والموارد الطبيعية.

ومن هنا، فإن مواجهة التصحر لا تتعلق بحماية الأراضي وحدها، بل تمتد إلى دعم استقرار المجتمعات الريفية، وتحسين إدارة الموارد المتاحة، والحد من المخاطر التي تهدد الأمن الغذائي على المدى الطويل.

مصر تطالب بتمويل إضافي للدول النامية

كان توفير التمويل اللازم لمواجهة التحديات البيئية أحد المحاور المهمة التي تناولها اللقاء، إذ أكد وزير الخارجية ضرورة إتاحة تمويل جديد وإضافي للدول النامية، مع إيلاء اهتمام خاص للدول الأفريقية التي تحتاج إلى موارد أكبر للتعامل مع آثار الجفاف وتدهور الأراضي.

وتبرز أهمية هذا الملف في أن تنفيذ الخطط الوطنية لمكافحة التصحر يحتاج إلى إمكانات مالية وفنية تساعد الدول على تطبيق برامج الحماية والتأهيل، وتحسين إدارة الأراضي، وتعزيز قدرتها على التعامل مع التغيرات المناخية والضغوط التي تتعرض لها الموارد الطبيعية.

كما شهد اللقاء تبادل الرؤى بشأن الاستفادة من آليات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في مجالات التمويل والدعم الفني وبناء القدرات، بما يدعم الجهود الوطنية والإقليمية الرامية إلى مواجهة الجفاف والندرة المائية.

ويعكس التركيز المصري على التمويل توجهًا نحو ربط الالتزامات الدولية بإمكانات التنفيذ الفعلية، بحيث لا تظل مواجهة التصحر مجرد تعهدات معلنة، بل تتحول إلى برامج قابلة للتطبيق على الأرض.

ماذا تعني استضافة مصر مؤتمر مكافحة التصحر في 2028؟

تحمل استضافة مصر للمؤتمر المرتقب أهمية تتجاوز تنظيم اجتماع دولي، إذ تمنحها فرصة لطرح أولوياتها البيئية، وتعزيز التنسيق بين الدول العربية والأفريقية، والدفع باتجاه حلول أكثر استجابة للتحديات التي تواجه البلدان النامية.

ومن المنتظر أن تمثل الاستعدادات للمؤتمر فرصة لتوسيع الحوار بشأن سبل مكافحة تدهور الأراضي، وتعزيز الاستعداد للجفاف، وتطوير آليات التعاون الدولي في مجالات التمويل ونقل الخبرات وبناء القدرات، وفقًا لأولويات الدول المشاركة وما ستسفر عنه المشاورات المقبلة.

كما تتيح استضافة المؤتمر مساحة لعرض التجارب الوطنية ومناقشة التحديات المشتركة، خصوصًا في المناطق التي تتأثر بتراجع الموارد المائية وتدهور الأراضي الزراعية، وهي قضايا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنمية المستدامة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

لكن الأهمية الحقيقية للمؤتمر ستتوقف على ما يمكن أن يسفر عنه من خطوات عملية، سواء فيما يتعلق بتوفير التمويل، أو تعزيز التعاون الفني، أو دعم البرامج الوطنية والإقليمية لمواجهة التصحر والجفاف.

مكافحة التصحر.. اختبار للتعاون الدولي

تكشف المباحثات بين وزير الخارجية والسكرتير التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عن أهمية التحضير المبكر للمؤتمر، ليس فقط لضمان نجاح تنظيمه، ولكن أيضًا لتحديد الملفات التي تحتاج إلى تحرك دولي أكثر فاعلية.

التصحر وتدهور الأراضي والجفاف تحديات مترابطة، ولا يمكن التعامل معها بمعزل عن قضايا المياه والغذاء والتنمية. كما أن نجاح الجهود الدولية في هذا المجال يتطلب تنسيقًا بين الحكومات والمؤسسات المعنية، إلى جانب توفير الموارد المالية والفنية اللازمة لتنفيذ البرامج المستهدفة.

وتمثل استضافة المؤتمر عام 2028 فرصة لتعزيز حضورها في هذه المناقشات، والدفاع عن احتياجات الدول النامية، مع التركيز على أهمية الانتقال من تبادل الرؤى إلى تنفيذ حلول عملية ومستدامة.

وفي ظل هذه الاستعدادات، تتجه الأنظار إلى ما ستشهده المرحلة المقبلة من مشاورات بين مصر وسكرتارية الاتفاقية، وما يمكن أن تضعه من أسس لإنجاح المؤتمر وتحقيق نتائج تدعم جهود مكافحة التصحر والجفاف، وتحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة.