أعاد تقرير استخباراتي أمريكي تسليط الضوء على البرنامج الفضائي الصيني شديد السرية «شينلونغ» (Shenlong)، الذي يعني اسمه «التنين الإلهي»، بعدما نشر صورة فضائية للمركبة، كاشفًا عن تطور قدرات بكين في مجال المركبات الفضائية القابلة لإعادة الاستخدام، وسط تساؤلات بشأن طبيعة مهامها واحتمالات توظيفها في أنشطة عسكرية واستخباراتية قد تؤثر على التفوق الأمريكي في الفضاء.
ونشرت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA)، ضمن تقريرها الصادر في أكتوبر 2026، صورة التقطها قمر صناعي تابع لشركة «ماكسار» في 28 مايو 2024، على ارتفاع يقارب 90 كيلومترًا، وأظهرت جسمًا فضائيًا صينيًا يشبه المكوكات الفضائية، مع فتح حجرة الحمولة وظهور ألواح شمسية في الجزء الخلفي منه.
ورغم أن التقرير لم يحسم بصورة قاطعة هوية المركبة الظاهرة في الصورة، فإن تحليلات تشير إلى احتمال ارتباطها ببرنامج «شينلونغ»، الذي يمثل أحد أكثر المشروعات الفضائية الصينية غموضًا.
ما مركبة «شينلونغ» الصينية؟
«شينلونغ» مركبة فضائية آلية غير مأهولة وقابلة لإعادة الاستخدام، تجمع بين خصائص الطائرات والمركبات الفضائية؛ إذ تنطلق عموديًا بواسطة صاروخ حامل، ثم تعود إلى الأرض وتهبط أفقيًا على مدرج، على غرار المكوكات الفضائية.
وأجرت الصين أول رحلة تجريبية للمركبة عام 2020، ثم نفذت رحلات أخرى استمرت لفترات طويلة، من بينها رحلة استمرت نحو 276 يومًا بدأت في أغسطس 2022، وأخرى استمرت قرابة 268 يومًا بدأت في ديسمبر 2023، قبل أن تبدأ الرحلة الرابعة في فبراير 2026.
مواصفات «التنين الإلهي» وقدراتها الفضائية..
تشبه«التنين الإلهي» مكوكًا فضائيًا مصغرًا، بأجنحة مثلثية وذيل مزدوج، يسمح لها بالعودة إلى الأرض والهبوط على مدرج.
وتضم حجرة مركزية بأبواب قابلة للفتح في المدار، يمكن استخدامها لحمل معدات أو أقمار صناعية صغيرة، كما تحتوي على ألواح شمسية قابلة للنشر لتوفير الطاقة اللازمة لأنظمتها.
و تعتمد على أنظمة حماية حرارية لمواجهة درجات الحرارة المرتفعة أثناء العودة إلى الغلاف الجوي.
إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن طولها يتجاوز 8.8 متر، ويبلغ باع جناحيها نحو 4.5 متر.
وتصل السرعة المدارية للمركبات الموجودة في المدار الأرضي المنخفض إلى نحو 28 ألف كيلومتر في الساعة، بينما لا تزال المواصفات الفنية الكاملة لـ«شينلونغ» غير معلنة رسميًا.
مهام غامضة.. هل تمتلك الصين قدرات عسكرية في الفضاء؟
تقول الصين إن برنامج المركبة يهدف إلى اختبار تقنيات فضائية متقدمة وتطوير وسائل أكثر اقتصادية لإجراء الرحلات المتكررة، لكن السرية المحيطة بالبرنامج، إلى جانب المناورات التي نفذتها المركبة وانفصال أجسام غير محددة عنها خلال بعض الرحلات، أثارت تساؤلات بشأن طبيعة استخداماتها.
ومن بين المهام المحتملة للمركبة إجراء تجارب علمية وتقنية طويلة الأمد، ونشر الأقمار الصناعية الصغيرة واستعادتها، ومراقبة الأجسام الفضائية، واختبار تقنيات الاقتراب والمناورة والتحكم الذاتي في المدار.
ولا توجد أدلة علنية تثبت أن المركبة تحمل أسلحة أو نفذت عمليات هجومية ضد أقمار صناعية، لكن القدرات التي يمكن أن توفرها تضعها ضمن التقنيات ذات الأهمية العسكرية والاستخباراتية المحتملة.
«شينلونغ» في مواجهة X-37B.. منافسة على التفوق الفضائي
تتشابه المركبة الصينية مع نظيرتها الأمريكية «X-37B» التي طورتها شركة «بوينج» لصالح وزارة الدفاع الأمريكية، إذ تعتمد كلتاهما على تصميم آلي قابل لإعادة الاستخدام، ويمكنهما البقاء في المدار لفترات طويلة لتنفيذ تجارب ومهام تقنية.
ويمثل دخول الصين بقوة إلى هذا المجال تحديًا للولايات المتحدة، التي تمتلك خبرة متقدمة في تشغيل المركبات الفضائية العسكرية، خاصة أن امتلاك منصات قادرة على المناورة في المدار والتعامل مع أجسام أخرى يمنح الدول المالكة لها إمكانات إضافية في مجالات الاستطلاع والتجارب التكنولوجية.
كيف تؤثر المركبة الصينية على الولايات المتحدة؟
لا يقتصر تأثير تطور «شينلونغ» على المنافسة التكنولوجية، بل يمتد إلى حسابات الأمن القومي الأمريكي، في ظل اعتماد واشنطن على الأقمار الصناعية في الاتصالات العسكرية والملاحة والاستطلاع والإنذار المبكر.
ويتمثل أبرز التحديات أمام الولايات المتحدة في احتمال تطوير الصين قدرات متقدمة تسمح لها بمراقبة الأقمار الصناعية الأخرى والاقتراب منها والتعامل معها، وهو ما قد يفرض أعباء إضافية على حماية البنية التحتية الفضائية الأمريكية، رغم عدم وجود دليل على استخدام «شينلونغ» في استهداف هذه الأقمار.
كما يدفع التقدم الصيني واشنطن إلى تعزيز أنظمة الرصد والإنذار المبكر، وتطوير وسائل حماية الأقمار الصناعية، وتسريع برامجها الفضائية العسكرية، بما قد يزيد الإنفاق الدفاعي المرتبط بتأمين المدار الأرضي.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فامتلاك بكين مركبات فضائية متطورة يمنحها قدرة أكبر على المنافسة مع الولايات المتحدة في وضع قواعد استخدام الفضاء، ويحد من احتمالات احتفاظ واشنطن بتفوق تكنولوجي منفرد في هذا المجال.
هل يصبح الفضاء ساحة جديدة للصراع الأمريكي الصيني؟
يعكس تطور «شينلونغ» تحولًا مهمًا في طبيعة المنافسة بين واشنطن وبكين، فلم يعد الصراع مقتصرًا على الاقتصاد والتكنولوجيا والأسلحة التقليدية، بل امتد إلى الفضاء باعتباره عنصرًا رئيسيًا في موازين القوة العسكرية والاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
وتدرك الصين أن التفوق في الفضاء لا يرتبط فقط بإطلاق الأقمار الصناعية، وإنما بامتلاك القدرة على التحكم في حركتها، وتنفيذ المناورات، وإجراء التجارب، وتطوير مركبات يمكن إعادة استخدامها لتنفيذ مهام متعددة، وهو ما تسعى بكين إلى تحقيقه من خلال برنامج «شينلونغ».
وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديًا يتعلق بالحفاظ على أمن أقمارها الصناعية واستمرار تفوقها في مجال العمليات الفضائية، خاصة مع تطور القدرات الصينية والروسية المضادة للأقمار الصناعية.
كما أن الكشف الأمريكي عن صورة المركبة الصينية يسلط الضوء على حجم الاهتمام الاستخباراتي الذي توليه واشنطن للبرنامج الفضائي الصيني، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول المدار الأرضي إلى ساحة تنافس عسكري، قد تتجاوز تداعياته الدول المتنافسة لتصل إلى الاتصالات والملاحة والتجارة والاقتصاد العالمي.
وبذلك، لا تمثل «شينلونغ» مجرد تجربة صينية لتطوير مركبة فضائية قابلة لإعادة الاستخدام، بل تعكس اتساع سباق التكنولوجيا العسكرية إلى خارج الغلاف الجوي، وتضع الولايات المتحدة أمام تحديات جديدة تتعلق بحماية بنيتها الفضائية والحفاظ على موقعها الاستراتيجي في مواجهة الصعود الصيني.
