أكدت الدكتورة رانيا فوزي، الباحثة في العلوم السياسية، أن بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، يمتلك خبرة سياسية واسعة تجعله قادرًا على المناورة في مواجهة الأزمات الداخلية، مشيرة إلى أن احتمالات إعادة الانتخابات الإسرائيلية تظل قائمة في ظل تعثر المعسكرات السياسية في الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، دون التحالف مع الأحزاب العربية.
وأوضحت رانيا فوزي، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن المشهد السياسي الإسرائيلي يواجه حالة من التعقيد، خاصة مع رفض معسكر غادي آيزنكوت، الذي يمثل تيارًا مناهضًا لنتنياهو، الدخول في تحالف مع الأحزاب العربية، رغم ما قد تمثله هذه الأحزاب من ثقل برلماني مؤثر في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
وأضافت أن نتنياهو نجح، إلى حد كبير، في توظيف خطاب سياسي يستهدف تشويه صورة الصوت العربي داخل إسرائيل، رغم الأهمية التي اكتسبها هذا الصوت في المعادلة الانتخابية، لافتة إلى أن قدرة الأحزاب العربية على التأثير في تشكيل الحكومة تضعها في موقع مهم، حتى وإن ظلت فرص التحالف معها محدودة بسبب الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية لدى المعسكرات الصهيونية واليمينية.
الدعم الأمريكي يمنح نتنياهو فرصة للمناورة السياسية
وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، أشارت الباحثة في العلوم السياسية إلى أن الدعم الذي يحظى به نتنياهو من الإدارة الأمريكية، والرئيس دونالد ترامب على وجه الخصوص، يمثل أحد العوامل المؤثرة في حساباته السياسية، لا سيما في ظل الرهانات الأمريكية والإسرائيلية المرتبطة بإيران ومستقبل المواجهة معها.
وأكدت "فوزي"، أن ارتباط الحسابات السياسية لترامب بالملف الإيراني قد يدفع واشنطن إلى تفضيل استمرار قيادة إسرائيلية قادرة على التنسيق معها بشأن الخيارات العسكرية والاستراتيجية، وهو ما يمنح نتنياهو فرصة إضافية للمناورة، رغم ما يواجهه من أزمات داخلية وانتقادات تتعلق بإدارته للحرب وتداعيات هجمات السابع من أكتوبر.
وأضافت "فوزي"، أن تعثر تحقيق الأهداف المعلنة للحرب على إيران، بما في ذلك إضعاف برنامجها النووي وتقليص نفوذ حلفائها الإقليميين، يجعل الخيارات العسكرية والسياسية موضع مراجعة مستمرة، خاصة في ظل استمرار قدرة طهران على الصمود رغم العقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية.
وشددت على أن التجارب العسكرية السابقة، بما فيها المواجهات التي أشارت إليها خلال حديثها، أظهرت أن إسقاط النظام الإيراني ليس مهمة سهلة، وأن اللجوء إلى الحسم العسكري قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع وتحويله إلى حرب إقليمية شاملة، بما يترتب على ذلك من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية على المنطقة بأكملها.
تحالف آيزنكوت مع اليمين.. سيناريو تفرضه الحسابات الاستراتيجية
وحول السيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة الإسرائيلية، استبعدت رانيا فوزي أن يقدم معسكر غادي آيزنكوت على التحالف مع الأحزاب العربية، معتبرة أن الخلافات الأيديولوجية والمواقف المرتبطة بالهوية السياسية للدولة الإسرائيلية تجعل هذا الخيار بالغ الصعوبة، رغم وجود مصلحة مشتركة لدى بعض القوى في إبعاد نتنياهو عن المشهد السياسي.
وأوضحت "فوزي"، أن رفض الأحزاب العربية قد يدفع المعسكرات المتنافسة إلى البحث عن بدائل أخرى لتجاوز أزمة تشكيل الحكومة، مشيرة إلى أن أحد السيناريوهات المحتملة يتمثل في التوصل إلى تفاهمات بين آيزنكوت وبعض القوى اليمينية، بما يسمح بتشكيل حكومة تستند إلى توافقات سياسية وأمنية، بدلًا من الذهاب إلى انتخابات جديدة.
وأضافت أن الخلفية العسكرية لآيزنكوت قد تمنحه مساحة للتفاهم مع التيارات اليمينية، خاصة إذا ارتبطت هذه التفاهمات بإدارة الملفات الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الملف الإيراني، لافتة إلى أن توزيع المناصب الوزارية، أو الاتفاق على تناوب رئاسة الحكومة، قد يكون من بين الصيغ المطروحة لتجاوز الخلافات السياسية.
وفي هذا السياق، رجحت الباحثة أن يسعى ترامب إلى التأثير في مسار التفاهمات بين القوى الإسرائيلية، إذا رأى أن تشكيل حكومة جديدة أو إعادة ترتيب التحالفات القائمة يخدم أولوياته الاستراتيجية، خصوصًا فيما يتعلق بإيران، مع التأكيد على أن هذا السيناريو يظل مرهونًا بتطورات المشهد السياسي داخل إسرائيل وحسابات الأطراف المعنية.
تكلفة إعادة الانتخابات تضغط على الأحزاب الإسرائيلية
ولفتت رانيا فوزي إلى أن التكلفة الاقتصادية والسياسية لإعادة الانتخابات تمثل عاملًا إضافيًا في حسابات القوى الإسرائيلية، موضحة أن العودة إلى صناديق الاقتراع لن تكون مجرد إجراء دستوري، بل ستترتب عليها أعباء مالية جديدة، فضلًا عن استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي.
وأضافت "فوزي"، أن حصول حزب نتنياهو على النسبة الأكبر من الأصوات، حتى في حال عجزه عن تشكيل الحكومة، قد يُستخدم باعتباره مؤشرًا على استمرار قاعدته الانتخابية، لكنه لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة على الحكم أو حسم المعركة السياسية لصالحه.
وأشارت "فوزي"، إلى أن نتنياهو لا يزال يواجه انتقادات واسعة بشأن مسؤوليته السياسية عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجمات السابع من أكتوبر، ولا سيما التحذيرات التي أُثيرت بشأن احتمالات وقوعها، وهو ما يجعل مستقبله السياسي مرتبطًا بالتوازن بين شعبيته الانتخابية والضغوط الداخلية التي يتعرض لها.
الأحزاب العربية بين التأثير البرلماني وصعوبة المشاركة في الحكومة
وفيما يتعلق بفرص الأحزاب العربية في التأثير على مستقبل نتنياهو، أوضحت الباحثة أن هذه الأحزاب قد تتمكن من لعب دور مؤثر في بعض المسارات التشريعية والسياسية الرامية إلى إضعافه أو الحد من قدرته على الاستمرار في الحكم، إلا أن هذا الدور يختلف عن المشاركة المباشرة في تشكيل الحكومة.
وأكدت "فوزي"، أن إبعاد نتنياهو عن المشهد لا يتوقف على الحسابات البرلمانية وحدها، بل يرتبط أيضًا بمواقف القوى الإسرائيلية الأخرى، وبمدى استعدادها لتجاوز خلافاتها من أجل تشكيل حكومة بديلة، فضلًا عن تأثير الدعم الأمريكي في موازين القوى الداخلية.
وأضافت أن الموقف الأمريكي يمثل عنصرًا مهمًا في تحديد اتجاهات المشهد الإسرائيلي، مستشهدة بمواقف ترامب الداعمة لنتنياهو، والتي تعكس رغبة واشنطن في استمرار قيادة إسرائيلية تتوافق مع توجهاتها الاستراتيجية، خاصة في الملفات الإقليمية ذات الأولوية.
حكومة جديدة أم انتخابات مبكرة؟.. حسابات نتنياهو وترامب تحسم المشهد
واختتمت الدكتورة رانيا فوزي تصريحها بالتأكيد على أن المشهد الإسرائيلي لا يزال مفتوحًا على عدة احتمالات، في ظل صعوبة تشكيل حكومة مستقرة دون تفاهمات بين المعسكرات المتنافسة، واستمرار رفض قطاعات من اليمين الإسرائيلي التحالف مع الأحزاب العربية.
ورجحت أن تتجه الأطراف السياسية إلى البحث عن صيغة توافقية تحول دون إجراء انتخابات جديدة، إذا ارتفعت تكلفة استمرار الأزمة، مشيرة إلى أن أحد الاحتمالات يتمثل في التوصل إلى تفاهمات بين آيزنكوت وبعض القوى اليمينية، بما يضمن تشكيل حكومة لفترة محددة وتجاوز الخلافات بشأن توزيع المناصب.
وشددت على أن مستقبل نتنياهو السياسي سيظل مرتبطًا بعوامل متعددة، في مقدمتها موازين القوى داخل الكنيست، ومواقف الأحزاب الإسرائيلية، وحسابات الإدارة الأمريكية تجاه إيران والمنطقة، مؤكدة أن أي تغيير جوهري في هذه المعادلة قد يعيد رسم خريطة التحالفات السياسية داخل إسرائيل خلال المرحلة المقبلة.
