أكد نديم سمنه، خبير الاستثمار والاستراتيجيات وعضو الجمعية المصرية للاستثمار المباشر ورأس المال المخاطر (EPEA)، أن مصر تتحرك نحو مرحلة جديدة من التطوير الصناعي تستهدف ترسيخ مكانتها كمركز إنتاج إقليمي يخدم أسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، مستندة إلى استراتيجية صناعية تسعى إلى رفع تنافسية المنتج المصري، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الاعتماد على المكون المحلي، وتعزيز اندماج الشركات المصرية في سلاسل الإمداد والقيمة العالمية.

وأوضح سمنه أن هذه التحركات تعكس توجهًا نحو تطوير هيكل الصناعة المصرية، بحيث لا يقتصر دورها على تلبية احتياجات السوق المحلية، وإنما يمتد إلى زيادة الصادرات وتوفير قاعدة إنتاج قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية، والاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر وما يتيحه من فرص للتواصل مع الأسواق الأوروبية والأفريقية والعربية.

جاء ذلك عقب مشاركته في اللقاء الذي نظمته الجمعية البريطانية المصرية للأعمال (BEBA) مع المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، والذي استعرض خلاله ملامح الاستراتيجية الصناعية للدولة وأولويات العمل خلال المرحلة المقبلة، والقطاعات التي تستهدف الدولة تطويرها لتعزيز مساهمة الصناعة في الاقتصاد الوطني.

وأشار سمنه إلى أن الوزير عرض رؤية لتطوير القطاع الصناعي تقوم على خمس مجموعات رئيسية، في مقدمتها الصناعات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية، والتي تضم الملابس والمنسوجات والصناعات الغذائية والسيارات والإلكترونيات والأدوية، إلى جانب الصناعات التمكينية والاستراتيجية والتكميلية، فضلًا عن صناعات الاقتصاد الدائري.

وأوضح أن تنوع هذه المجموعات يعكس اتساع نطاق القطاعات المستهدفة، ويتيح فرصًا أمام المستثمرين المحليين والأجانب للدخول في أنشطة صناعية مختلفة، مع التركيز على الصناعات التي تمتلك فرصًا للنمو والتصدير، وتلك التي يمكن أن تسهم في توفير مدخلات الإنتاج وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

تعميق التصنيع المحلي وتحويل الثروات المعدنية إلى منتجات صناعية

ولفت سمنه إلى أن تعميق القيمة المضافة محليًا يمثل أحد المحاور الرئيسية للاستراتيجية، من خلال تعظيم الاستفادة من الموارد والثروات المعدنية المتاحة داخل مصر، والعمل على تحويلها إلى منتجات صناعية ذات قيمة اقتصادية أعلى بدلًا من تصديرها في صورتها الخام.

وأشار إلى أن التركيز بدأ على خامات من بينها المنجنيز والدولوميت، بما يفتح المجال أمام تطوير صناعات تعتمد على هذه الموارد، ويعزز فرص إقامة سلاسل إنتاج محلية مترابطة، تحقق استفادة أكبر من الخامات المتاحة وتدعم نمو الصناعات المرتبطة بها.

وأضاف أن هذا التوجه يرتبط بضرورة زيادة نسبة المكون المحلي في المنتجات المصرية، وتوسيع قاعدة الموردين المحليين، بما يساعد على تقليل الاعتماد على المكونات المستوردة، ويمنح الشركات المصرية فرصًا أكبر للمشاركة في المشروعات الصناعية الكبرى.

وفي قطاع السيارات، أوضح أن الوزارة تعمل على وضع حوافز لمصنعي السيارات ترتبط بحجم مشترياتهم من الشركات المصرية الصغيرة والمتوسطة، بما يشجع على توسيع الاعتماد على الموردين المحليين، ويخلق روابط إنتاجية بين الشركات الكبرى والمصانع الصغيرة والمتوسطة.

كما أشار إلى إطلاق منصة لتصنيف الشركات، وتعزيز فرص حصول المنتجات والمكونات المحلية على الأفضلية في المناقصات العامة، وهو ما يستهدف دعم الشركات القادرة على توفير منتجات ومكونات مطابقة للمواصفات، ورفع كفاءة المنافسة داخل السوق، وتحفيز الاستثمار في الصناعات المغذية.

«الخريطة الصناعية» و«القرية المنتجة» لتوزيع الاستثمارات على 4600 قرية

وفيما يتعلق بتوسيع نطاق التنمية الصناعية جغرافيًا، استعرض سمنه مبادرتي «الخريطة الصناعية» و«القرية المنتجة»، اللتين تستهدفان تحديد المزايا التنافسية لنحو 4600 قرية مصرية، واختيار الأنشطة الصناعية التي تتناسب مع طبيعة كل منطقة وما تمتلكه من موارد وإمكانات.

وأوضح أن تحديد الأنشطة المناسبة لكل قرية يمكن أن يسهم في توجيه الاستثمارات إلى المناطق المختلفة بدلًا من تركزها في نطاقات محدودة، فضلًا عن الاستفادة من الموارد المحلية وخلق فرص عمل بالقرب من التجمعات السكانية، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويعزز مشاركة المجتمعات المحلية في الإنتاج.

وأكد أن نجاح هذا التوجه يرتبط بربط الفرص الصناعية باحتياجات الأسواق، وتوفير الخدمات والبنية الأساسية اللازمة للمشروعات، إلى جانب مساعدة المستثمرين على التعرف على الأنشطة التي تتمتع كل منطقة بميزة نسبية فيها.

وفي ملف المصانع المتعثرة، أشار سمنه إلى جهود الوزارة لإعادة تشغيل المصانع التي تواجه صعوبات من خلال منصة متخصصة وصندوق صناعي، مع إتاحة فرص للدعم عبر الاستحواذ، بما يساعد على التعامل مع المشروعات المتوقفة أو المتعثرة وإعادة الاستفادة من أصولها وقدراتها الإنتاجية.

وأضاف أن الاستراتيجية تتضمن كذلك تقديم خدمات رقمية واستشارية للشركات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير أدوات تكنولوجية تسهل تعامل المستثمرين مع الجهات المعنية، وتساعد الشركات على الوصول إلى المعلومات والخدمات اللازمة لتطوير أنشطتها وتوسيع أعمالها.

الروبوتات وتأهيل العمالة.. التكنولوجيا تدخل المصانع المصرية

وأكد سمنه أن تطوير العنصر البشري يمثل أحد الشروط الأساسية لنجاح التحول الصناعي، موضحًا أن الاستراتيجية تتجه إلى إطلاق برامج تدريب وتأهيل، واستحداث درجات علمية جديدة مدتها ثلاث سنوات للعمالة الصناعية، بما يساعد على إعداد كوادر تمتلك المهارات الفنية المطلوبة للتعامل مع التطورات المتسارعة في أساليب الإنتاج.

وأشار إلى أن تطوير مهارات العاملين يسير بالتوازي مع إدخال تكنولوجيات صناعية متقدمة، من بينها الروبوتات، بالتعاون مع مركز تحديث الصناعة، لافتًا إلى أن بعض النماذج الأولية بدأت العمل بالفعل داخل مصانع مصرية، في إطار التوجه نحو رفع كفاءة الإنتاج والاستفادة من الحلول التكنولوجية الحديثة.

وأوضح أن إدخال هذه التقنيات يتطلب إعداد العمالة للتعامل معها، وتطوير نظم التشغيل والصيانة، بما يضمن تحقيق الاستفادة المطلوبة من الاستثمارات التكنولوجية، ويعزز قدرة المصانع المصرية على تحسين جودة منتجاتها ومواكبة التطورات العالمية.

وفي السياق نفسه، لفت إلى اهتمام الوزارة بتهيئة المصانع المصرية للوفاء بمتطلبات الاستدامة الأوروبية، باعتبارها أحد الملفات المهمة أمام الشركات الراغبة في التوسع داخل الأسواق الخارجية، خاصة مع تزايد الاهتمام بالمعايير البيئية ومتطلبات الإنتاج المستدام في سلاسل التوريد الدولية.

شركات أوروبية إلى مصر واتفاقيات لتطوير صناعة السفن والأدوية وأشباه الموصلات

وأشار سمنه إلى أن من بين التوجهات المطروحة نقل شركات أوروبية صغيرة ومتوسطة إلى مصر، بما يتيح فرصًا لتوطين التكنولوجيا والخبرات الصناعية، ويعزز استفادة الشركات الأجنبية من موقع مصر كبوابة للنفاذ إلى الأسواق الأفريقية، فضلًا عن إمكانية بناء شراكات مع المصانع المحلية وتوسيع قاعدة الإنتاج والتصدير.

وأكد أن الشراكات الدولية تمثل محورًا مهمًا في تطوير الصناعة المصرية، موضحًا أن الزيارات الرئاسية الأخيرة إلى كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا أسفرت عن اتفاقيات تستهدف تطوير صناعات بناء السفن والأدوية وأشباه الموصلات في مصر.

وأوضح أن التعاون في هذه المجالات يفتح المجال أمام نقل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير القدرات الإنتاجية المحلية، خاصة أن الصناعات المستهدفة ترتبط بقطاعات متنوعة، وتحتاج إلى استثمارات متخصصة وكوادر مؤهلة وبنية صناعية قادرة على استيعاب التقنيات الحديثة.

وأضاف أن جذب الاستثمارات النوعية لا يتوقف عند إقامة مشروعات جديدة، بل يمتد إلى بناء شراكات طويلة الأجل، وتطوير الموردين المحليين، ورفع كفاءة المصانع، وربط الإنتاج المصري باحتياجات الأسواق الإقليمية والدولية.

واختتم نديم سمنه تصريحاته بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية من اللقاء تتمثل في الانتقال بالصناعة المصرية إلى مرحلة أكثر تكاملًا وتنافسية، عبر تعميق التصنيع المحلي، وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، وإعادة تشغيل المصانع المتعثرة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير التكنولوجيا والمهارات الصناعية.

وأشار إلى أن تحقيق هدف التحول إلى مركز صناعي إقليمي يتطلب استمرار العمل على إزالة التحديات أمام المستثمرين، وتوفير بيئة تشريعية وإجرائية داعمة للإنتاج، وربط الحوافز بمعدلات التنفيذ والتشغيل وزيادة المكون المحلي، بما يعزز قدرة مصر على جذب الشركات الأوروبية والدولية، ويمنح المنتجات المصرية فرصًا أوسع للمنافسة في أسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.