في عام 1968، كانت مدينة مكسيكو تستضيف دورة الألعاب الأولمبية، وهي دورة لا تزال محفورة في ذاكرة التاريخ لأسباب عديدة، ليس فقط للإنجازات الرياضية، بل أيضًا للرسالة القوية التي أرسلها رياضيّان أمريكيّان.

كان ذلك في ذروة حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وفي خضم اضطرابات سياسية واجتماعية هائلة، وبينما كان العالم يتابع المنافسات بشغف، حدث شيء غير متوقع على منصة التتويج، شيء تجاوز نطاق الرياضة ليصبح لحظة تاريخية. ​

كانت مسابقة سباق 200 متر للرجال قد انتهت، وفاز الأمريكي تومي سميث بالمركز الأول وحطم الرقم القياسي العالمي، أما زميله في الفريق جون كارلوس فقد حصل على الميدالية البرونزية، في حين حصل الأسترالي بيتر نورمان على الميدالية الفضية؛ لكن الأضواء لم تكن على الفوز أو الأرقام القياسية، بل على ما حدث بعد ذلك مباشرة، صعد سميث وكارلوس إلى منصة التتويج حافيي القدمين، إشارةً إلى الفقر الذي يعيشه السود في أمريكا، كان سميث يرتدي وشاحًا أسود اللون، وكارلوس يفتح سترة سترته الرياضية، وهي إشارة إلى التضامن مع العمال السود، كما كان كل منهما يرتدي قفازًا أسود في يد واحدة.

​بمجرد عزف النشيد الوطني الأمريكي، حدثت اللحظة التي صدمت العالم، قام كل من سميث وكارلوس بإنزال رأسيهما ورفع قبضتيهما وهما يرتديان القفازين الأسودين، كان هذا التحية، المعروفة بأسم "تحية القوة السوداء"، رمزًا قويًا للاحتجاج الصامت ضد العنصرية والظلم الاجتماعي في الولايات المتحدة.

لم يكن هذا الاحتجاج مخططًا له بشكل كامل، فقد نسي كارلوس قفازيه، واضطر نورمان، العداء الأسترالي، إلى اقتسام قفازيه معهما لكي يتمكنا من أداء التحية، وهذا يدل على تضامن نورمان معهما، على الرغم من أنه لم يكن أمريكيًا. ​

كانت ردود الفعل على هذا الاحتجاج قوية ومتباينة، في البداية، اعتبره البعض عملًا غير لائق ومخالفًا للروح الأولمبية التي تدعو إلى عدم خلط الرياضة بالسياسة، فقد أدان رئيس اللجنة الأولمبية الأمريكية آنذاك الحدث بشدة، وقرر إيقاف سميث وكارلوس من الفريق الأولمبي، وأمرهما بمغادرة القرية الأولمبية على الفور،عند عودتهما إلى الولايات المتحدة، قوبلا بانتقادات لاذعة وتهديدات بالقتل، وتعرضا للعزلة الاجتماعية؛ لكن بمرور الوقت، ومع تغير نظرة المجتمع، أصبح ما قاما به يُنظر إليه على أنه عمل شجاع، وتضحية من أجل المبادئ، ورمز للنضال من أجل المساواة.

أما بيتر نورمان، فقد تعرض للعزلة في بلاده أستراليا، لكنه لم يندم أبدًا على موقفه الداعم لسميث وكارلوس.