شرم الشيخ، المعروفة بـ**"مدينة السلام"**، لم تكن مجرد وجهة سياحية ساحرة على شواطئ البحر الأحمر، بل هي منصة عالمية حاسمة لاستضافة أهم القمم والمفاوضات الدولية والإقليمية. من جهود إنقاذ عملية السلام في الشرق الأوسط إلى قمة المناخ العالمية ومفاوضات إنهاء الحروب، لعبت هذه المدينة المصرية دورًا محوريًا في صياغة التاريخ الحديث. إليك جولة مفصلة عبر أبرز الأحداث والاجتماعات التاريخية التي شهدتها شرم الشيخ، معززةً مكانتها كمركز للحلول الدبلوماسية.

البداية مع السلام: القمم التاريخية لإنهاء الصراع

ترتبط شرم الشيخ ارتباطًا وثيقًا بعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، حيث استضافت سلسلة من اللقاءات المصيرية:

قمة "صانعي السلام" (1996):

التاريخ: 13 مارس 1996.

الحاضرون الرئيسيون: الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز، بمشاركة 31 دولة.

الأهداف: إنقاذ عملية السلام، توفير الأمن الإقليمي، ومكافحة العنف والإرهاب.

اتفاقية واي ريفر 2 (1999):

التاريخ: 4 سبتمبر 1999.

الأهمية: مفاوضات استهدفت توضيح وحل النقاط العالقة في اتفاق "واي ريفر 1" بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية (2000):

الهدف: بحث خطة السلام الأمريكية المقترحة من كلينتون لوضع إطار لاستئناف المفاوضات.

المشاركون: ياسر عرفات، والرئيس المصري محمد حسني مبارك، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك.

القمة العربية (2003):

الدورة: 15 لجامعة الدول العربية.

المحور: مناقشة التهديدات الأمريكية بغزو العراق وتطورات القضية الفلسطينية.

 

قمة شرم الشيخ (2005)

الخلاصة: شهدت القمة التي ضمت مبارك، وملك الأردن عبد الله الثاني، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، إصدار إعلان بإنهاء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والالتزام بـ"خريطة الطريق" للسلام، والاتفاق على الإفراج عن مئات الأسرى.

محاولة إحياء السلام (2010):

الحدث: استضافة الجولة الثانية من المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة.

الحضور الدولي: وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون والمبعوث الأمريكي جورج ميتشل.

القمم العربية والإقليمية والدولية: أجندة أوسع

تجاوز دور شرم الشيخ ملف السلام الإقليمي ليصبح مركزًا لاجتماعات القادة العرب والمؤتمرات الدولية الكبرى:

قمة حركة عدم الانحياز (2009):

الحدث: القمة الـ15 للحركة بمشاركة 118 دولة، مؤكدة على دور مصر في الدبلوماسية العالمية.

القمة العربية (2015):

الدورة: 26، بحضور الملوك والرؤساء العرب، لمناقشة التحديات التي تواجه المنطقة.

دعم الاقتصاد والتصدي للتحديات الكوكبية

لم تقتصر استضافات شرم الشيخ على السياسة بل امتدت لتشمل قضايا التنمية الاقتصادية والتغير المناخي:

مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري (2015):

الهدف: محاولة كبرى لدعم الاقتصاد المصري وجذب الاستثمارات العالمية، وعقد في الفترة من 13 إلى 15 مارس.

مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي COP27 (2022):

الحدث الأبرز: استضافت مصر بنجاح مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي، مما سلط الضوء على دورها الريادي في معالجة أزمة المناخ العالمية.

آخر المستجدات: قمم الأمن وإنهاء الحروب

في الآونة الأخيرة، عادت شرم الشيخ لتلعب دورها التقليدي كملتقى لجهود فض النزاعات والأزمات الإقليمية:

القمة الأمنية (2023):

التاريخ: مارس 2023.

الاجتماع: لقاء رباعي (إسرائيل، السلطة الفلسطينية، مصر، الأردن، والولايات المتحدة) لوقف التدهور الأمني والسياسي بين الطرفين.

مفاوضات إنهاء حرب غزة (2025):

الأهمية التاريخية: استضافت المدينة في 5 سبتمبر 2025 مفاوضات غير مباشرة حاسمة بين حماس وإسرائيل لوقف حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، بناءً على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

المشاركون: وفود رفيعة المستوى من حماس، إسرائيل، قطر، مصر، تركيا، والولايات المتحدة.

الوفود تصل إلى شرم الشيخ في ذكرى نصر أكتوبر المجيد (2025):
في مشهد رمزي عميق الدلالة، وصلت الوفود المشاركة في مفاوضات إنهاء حرب غزة إلى مدينة شرم الشيخ يوم 6 أكتوبر 2025، بالتزامن مع احتفالات مصر بالذكرى الثانية والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة. وقد حرصت القاهرة على اختيار هذا اليوم تحديدًا لانعقاد الجلسات التمهيدية للقمة، تأكيدًا لرسالة السلام المستندة إلى القوة والإرادة الوطنية. وشهدت المدينة استعدادات مكثفة لاستقبال القادة وممثلي الدول والمنظمات المشاركة، وسط إجراءات أمنية مشددة وترتيبات دبلوماسية دقيقة تعكس أهمية الحدث ومكانة مصر كوسيط رئيسي في صناعة السلام بالمنطقة.

قمة التوقيع على إنهاء الحرب وحقن الدماء (2025):

التاريخ: 9 أكتوبر 2025.

النتيجة: تم التوقيع على الاتفاقية النهائية لإنهاء الحرب بين الكيان المحتل الإسرائيلي وفلسطين.

الحضور البارز: الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى قادة دوليين كبار مثل رئيس فرنسا، رئيسة وزراء إيطاليا، الرئيس رجب أردوغان، أمير قطر، ملك الأردن، المستشار الألماني، ورؤساء دول فلسطين، إندونيسيا، أذربيجان، وقبرص. (تغيب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عن الحضور).

منذ قمة "صانعي السلام" عام 1996 وحتى التوقيع على اتفاقية إنهاء الحرب في 2025، تظل شرم الشيخ العنوان الأبرز للحظات التاريخية الفاصلة والقرارات الكبرى التي شكلت ملامح الشرق الأوسط والعالم، مؤكدة مكانة مصر كقاطرة للسلام الإقليمي والدولي.