لم تكن حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 مجرد عملية عسكرية لاسترداد الأرض والكرامة، بل كانت ملحمة وطنية شاركت فيها كل أطياف المجتمع المصري والعربي، وكان للرياضة والرياضيين دور بارز، لم يقتصر على الدعم المعنوي فحسب، بل وصل إلى أن يكون عنصرًا حاسمًا في خطة الخداع الاستراتيجي التي أذهلت العالم وحطّمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر.
في صباح يوم السادس من أكتوبر 1973، كانت المدافع تدك حصون خط بارليف، بينما كان الشطر الرياضي من خطة العبور يعمل بكفاءة تامة، قبل يوم واحد من "ساعة الصفر"، شهد الدوري المصري لكرة القدم إقامة سبع مباريات، وفي ذات يوم العبور، انطلقت صافرة مباراة غزل المحلة ومصر للطيران في تمام الساعة الثانية ظهرًا، وهو نفس توقيت الهجوم، في مشهد يوحي بالهدوء والاستقرار الداخلي.
الوثائق العسكرية التي كُشف عنها لاحقًا أكدت أن النشاط الرياضي المستمر كان جزءًا من خطة الخداع الشامل، ما جعل الاستخبارات الإسرائيلية تستبعد تمامًا احتمال الهجوم الوشيك، كما لم يتردد نجوم الملاعب في خلع الزي الرياضي وارتداء الزي العسكري.
هناك أسماء رياضية تحولت إلى ضباط مقاتلين على الجبهة، منهم "الجنرال" محمود الجوهري الذي شارك برتبة مقدم في سلاح الإشارة، واللواء محمد عبدالعزيز قابيل نجم الزمالك وقائد الفرقة الرابعة المدرعة، ونجم الأهلي الراحل علي حافظي، وحمادة إمام، نجم الزمالك، وغيرهم الكثيرون الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء.
حتى أن اللاعب صبري سراج، نجم كرة السلة بالزمالك، فقد ذراعه أثناء تدريبات سلاح المشاة خلال فترة الحرب، ليكون شاهدًا على ثمن الحرية.
لم يقتصر دور المؤسسات الرياضية على تقديم أبنائها للجبهة، بل تحولت الأندية إلى قواعد للدعم الوطني، النادي الأهلي، على سبيل المثال، كان قد بدأ منذ نكسة 1967 في تحويل بعض مرافقه إلى مراكز تدريب عسكرية، ونظم حملات للتبرع بالدم للمصابين، حيث سارع ما يقرب من 8 آلاف عضو للتبرع في الأيام الأولى للحرب، كما قامت إدارات الأندية، كإدارة الزمالك بقيادة الراحل محمد حلمي زامورا، بتقديم الدعم الكامل لأندية الأقاليم المتضررة، مثل استضافة فريق الإسماعيلي، ما ساهم في الحفاظ على الروح الرياضية كجزء من الصمود الوطني.
أما على الصعيد العربي، فقد كانت الرياضة مرآة للتضامن القومي، فالرياضيون العرب أوقفوا مشاركاتهم الدولية أو المحلية تضامنًا مع المجهود الحربي، وعكست قرارات الهيئات الرياضية المختلفة الدعم اللامحدود الذي قدمته الدول العربية لمصر وسوريا، سواء بالمساعدات العسكرية أو الاقتصادية، كقرار حظر تصدير النفط الذي كان "سلاحاً" اقتصاديًا ضاغطًا موازيًا للعمليات العسكرية.
تُعد العلاقة بين الرياضة وحرب 1973 نموذجًا فريدًا يبرز دور الرياضة كقوة ناعمة ووطنية، حيث تحولت الساحات الخضراء إلى جزء من خطة استراتيجية محكمة، وارتقى نجومها من أبطال في اللعب إلى أبطال في القتال، ليظلوا رمزًا على أن روح النصر تبدأ بالوحدة والتضحية في كل ميادين الحياة.
