لم تكن نكسة يونيو 1967 مجر أزمة سياسية عابرة في تاريخ مصر، بل كانت زلزالاً ضرب كل مفاصل الحياة المصرية، ولم تستثنِ الساحة الرياضية، التي وجدت نفسها فجأة في قلب المعركة، فتحولت الملاعب إلى ثكنات، والنجوم إلى مجندين، وتوقف "شريان الحياة" الكروي لسنوات، ليخلف وراءه خريطة رياضية مغايرة تمامًا لما كان قبل الحرب.
كان التأثير الأولي والأبرز للحرب هو التوقف التام للنشاط الرياضي المحلي، وعلى رأسه الدوري المصري الممتاز لكرة القدم، فقد أسدل الستار على موسم (1966-1967)، الذي انتهى بتتويج الإسماعيلي باللقب لأول مرة في تاريخه قبل شهر واحد من النكسة، ليظل النشاط متوقفاً لأكثر من أربع سنوات، حتى موسم (1971-1972).. هذا التوقف المفاجئ لم ينهِ موسمًا فحسب، بل أوقف مسيرة أجيال ذهبية كانت على وشك التألق.
في خضم التعبئة العامة، تحولت الأندية المصرية الكبرى إلى مراكز دعم لوجستي وعسكري حيث تحولت ملاعب الأندية، خاصة في القاهرة، إلى مراكز تدريب عسكرية للقوات المسلحة أو إلى مقار لإيواء المهجرين من مدن القناة.
وشارك العديد من الرياضيين والنجوم البارزين، خاصة لاعبو كرة القدم، بفعالية في مرحلة إعادة البناء ثم في حرب الاستنزاف وأكتوبر. ومن أبرزهم محمود الجوهري جنرال الكرة المصرية الذي كان ضابطًا برتبة مقدم في سلاح الإشارة.. وايضًا حمادة إمام ثعلب الزمالك الذي كان ضابطًا في القوات المسلحة.
إلى جانب محمود بكر نجم الأوليمبي الشهير ومعلق كرة القدم لاحقًا، الذي شارك برتبة نقيب في سلاح الاستطلاع، وسمير زاهر رئيس اتحاد الكرة الأسبق الذي شارك في حرب أكتوبر.
أدى توقف النشاط إلى موجة هجرة واحتراف للنجوم في الدوريات العربية، بحثًا عن الاستمرار في ممارسة الرياضة، ومن أبرزهم حسن شحاتة وطه بصري ومصطفى رياض وغيرهم.
كما أحدثت النكسة اختلالاً في موازين القوى الكروية حيث شهدت الفترة التي سبقت النكسة (18 موسمًا) تتويج 6 أندية مختلفة بالدوري، بينما في الفترة التي تلتها، بدأت ملامح سيطرة قطبي الكرة المصرية (الأهلي والزمالك) تتضح بشكل أكبر على حساب الأندية الأخرى التي كانت منافسة قوية (مثل الترسانة والأوليمبي وغزل المحلة)، لتتجه هذه الأندية تدريجياً نحو دوريات المظاليم أو تختفي من دائرة المنافسة.
كما أن تجربة أندية مثل الأوليمبي السكندري، الذي توج بالدوري موسم (1965-1966)، وانسحب من دوري أبطال إفريقيا في نسخته التالية (1967) بسبب الحرب، انتهت تمامًا، وتشتت جيله الذهبي.
رغم الكارثة، خرج من رحم مدن القناة المحتلة بصيص أمل، فنادي الإسماعيلي، الذي تضررت مدينته بشكل بالغ، اضطر للتنقل بين القاهرة والإسكندرية بعد تهجير أهالي الإسماعيلية، وقدّم النادي الأهلي والزمالك دعمًا كبيرًا له، هذا الصمود توج بأول لقب إفريقي للأندية المصرية عام 1970، ليصبح "الدراويش" رمزًا لتحدي الهزيمة وتأكيدًا على قدرة الروح المصرية على الانتصار حتى في أحلك الظروف.
وبلغت ذروة تداخل الرياضة بالوطنية خلال حرب أكتوبر 1973، حيث تحولت الرياضة إلى جزء من خطة "الخداع الاستراتيجي" للعدو.. ومن المفارقات التاريخية، أن مباراة في الدوري بين غزل المحلة ومصر للطيران جرت ظهر يوم السادس من أكتوبر، في نفس توقيت بدء العبور، لتلهي العدو عن حقيقة ما يجري على الجبهة، فيما هتفت الجماهير في الملعب لطيران مصر في لحظات العبور التاريخية.
وحولت حرب 1967 الرياضة المصرية من مجرد تنافس إلى تعبئة، وأوقفت عقارب الزمن الكروي لعدة سنوات، لكنها في الوقت نفسه، حولت الأندية والنجوم إلى جزء أصيل من معركة الصمود وإعادة بناء الثقة الوطنية، لتصبح الرياضة لاحقاً، خاصة بعد نصر أكتوبر 1973، أحد أهم أدوات استعادة الروح والعزة المصرية.
