"أنا هنقل تمثال رمسيس وهو واقف.. وبدل ما تبقى جنازة يبقى موكب!"

بهذه الكلمات لخّص الدكتور المهندس أحمد محمد حسين، صاحب فكرة نقل تمثال رمسيس دون تفكيك، واحدة من أجرأ وأعقد العمليات الهندسية في تاريخ مصر الحديث.

بداية القصة

في عام 2004 بدأ الإعداد لمشروع نقل تمثال الملك رمسيس الثاني من ميدانه الشهير بوسط القاهرة إلى موقعه الجديد أمام المتحف المصري الكبير، ضمن خطة تطوير المنطقة استعدادًا لافتتاح المتحف.

وبعد عامين من الدراسات والتجارب الهندسية، تم تنفيذ عملية النقل الفعلية في 25 أغسطس 2006، في واحدة من أعقد وأشهر عمليات النقل الأثري في العالم.

رسى تنفيذ عملية النقل على شركة المقاولون العرب، والتي بدأت تبحث عن شركات متخصصة في التعامل مع التماثيل العملاقة التي يصل وزنها إلى 83 طنًا.

كل المقترحات المقدَّمة حينها كانت تتجه نحو تفكيك التمثال إلى عدة أجزاء ونقله ثم إعادة تركيبه في موقعه الجديد، أو نقله كاملًا ولكن في وضع أفقي "نايمًا" على ظهر مركبة النقل.

لكن حين استعانت الشركة بالدكتور المهندس أحمد محمد حسين، أستاذ الهندسة بجامعة عين شمس آنذاك، لعمل تحليل للمخاطر (Risk Analysis) لطريقتي النقل المقترحتين، قدّم فكرة غير مسبوقة: نقل التمثال وهو واقف، دون تفكيك.

فكرة "الموكب" العبقرية

واجهت الفكرة في البداية تشككًا كبيرًا، إذ أن المخاطر الهندسية في تحريك تمثال ضخم بهذا الحجم وهو قائم كانت هائلة، خاصة مع وجود مطالع ومنازل على الطرق والكباري.

لكن المهندس أحمد حسين طمأن الجميع بأن طريقته تجعل التمثال يتحرك بثبات، إذ صمم نموذجًا مصغرًا (ماكيت) يُظهر كيف يمكن أن “يتأرجح” التمثال قليلًا أثناء السير دون أن يفقد توازنه.

اقترحاته ونتائج النماذج التجريبية أثبتت أن نسبة المخاطرة صفر تقريبًا، لكن المشروع احتاج إلى قرار سيادي لتنفيذه.

ورغم معارضة عدد من الخبراء، منهم الدكتور زاهي حواس ووزير الثقافة الأسبق فاروق حسني في البداية، إلا أن القرار عاد للنور بعدما تعرّضت مصر لانتقادات من شركة فرنسية شككت في قدرتها على نقل التمثال.

وقتها، وجّه الرئيس حسني مبارك بسرعة تنفيذ المشروع خلال أربعة أشهر فقط.

التنفيذ: معجزة على الطريق

بدأت التجهيزات تحت إشراف شركة المقاولون العرب برئاسة المهندس إبراهيم محلب آنذاك، وتم تصنيع معدات خاصة لعملية النقل، مع استعانة بونش ضخم بقدرة رفع 475 طنًا.

وللتأكد من سلامة الفكرة، تم بناء مجسم تجريبي بنفس الوزن تقريبًا ونُفّذت عليه تجربة نقل ناجحة قبل التنفيذ الفعلي.

وفي يوم النقل، احتشدت وسائل الإعلام والمواطنون لمتابعة الحدث التاريخي.

وعندما تحرك التمثال لأول مرة واهتز قليلًا في تجربة الكبح الأولى، ظن البعض أنه على وشك السقوط، لكن المهندس أحمد حسين كان يعلم تمامًا ما يفعل — التمثال كان يتحرك بثبات ومرونة محسوبة.

وفي النهاية، نجحت العملية بنجاح تام، وانتقل رمسيس الثاني إلى موقعه الجديد أمام المتحف المصري الكبير، دون أن يُفك أو يُصاب بأي ضرر.

تكريم متأخر

ورغم النجاح الأسطوري للعملية، لم يحظَ المهندس أحمد حسين بالتكريم أو الظهور الإعلامي المستحق، إذ تصدر المشهد المسؤولون والوزراء وقتها، بينما وقف هو بعيدًا عن الكاميرات.

وحين سأله أحد المراسلين لمن يهدي هذا الإنجاز، قال عبارته التي ظلت علامة:

“مهديهوش لحد.. أهديه لنفسي. العمل ده بتاعي أنا، بهديه للمهندسين المصريين والعرب، وبقولهم محدش مديكم فرصة ومحدش حيديكم فرصة.”

اليوم، ومع اقتراب افتتاح المتحف المصري الكبير، يستعيد المصريون ذكرى هذا الإنجاز الهندسي الفريد ويترحمون على صاحبه الدكتور المهندس أحمد محمد حسين، الذي أثبت أن العقل المصري قادر على تحويل "الجنازة" إلى "موكب".