لم يكن الفنان الأسمر عبدالحليم حافظ مجرد "عندليب" للغناء العربي، بل كان شخصية ذات أبعاد إنسانية واجتماعية متعددة، يمتد تأثيرها إلى خارج أسوار المسرح ومواقع التصوير، ليلامس شغف الجماهير في الميادين الرياضية.

وعلى الرغم من صراعاته المزمنة مع المرض التي قد تبدو متعارضة مع النشاط البدني، إلا أن علاقة العندليب بالحياة الرياضية كانت علاقة عشق وولع، اتخذت أشكالًا مختلفة أبرزها كرة القدم، والهوايات الشخصية، وحتى صداقاته المؤثرة في هذا العالم
.

كانت العلاقة الأبرز والأكثر شهرة بين عبدالحليم حافظ والرياضة هي عشقه لنادي القرن الإفريقي، النادي الأهلي، لم يكن حبه للقلعة الحمراء مجرد انتماء عابر، بل كان شغفًا دفعه ليصبح عضوًا عاملاً في النادي.

وتعود جذور هذا العشق إلى أيامه في معهد الموسيقى، حيث صرّح العندليب بنفسه بأن الفضل في انتمائه للأهلي يعود إلى نجمي النادي في تلك الفترة، اللاعبين أحمد مكاوي وتوتو
.. وكان عبد الحليم حريصًا على حضور مباريات فريقه وتشجيعه من المدرجات، بل وتوّج هذا الحب بمساهمة فنية خالدة.

في عام 1957، عندما احتفل النادي الأهلي بيوبيله الذهبي (مرور 50 عامًا على إنشائه)، أطلق عبدالحليم حافظ أغنية خاصة بهذه المناسبة، لتصبح جزءًا من تاريخ النادي وذاكرة جماهيره.

تجاوزت علاقة العندليب بالرياضة حدود التشجيع إلى الصداقة الوثيقة مع أساطيرها، كانت تربطه علاقة قوية بـ "المايسترو" صالح سليم، أحد أبرز رموز النادي الأهلي، وهي علاقة شهدت لحظات من الود والتوتر أيضًا قبل أن تنقطع في عام 1973.

لعل أشهر المواقف التي تكشف عن روح عبدالحليم الرياضية النبيلة وقعت في عام 1973، حينما استعد الأهلي لمواجهة الاتحاد السكندري في نهائي كأس مصر، كان العندليب قد أعلن عن نيته تكريم لاعبي الأهلي في اليوم التالي حال فوزهم؛ ولكن المفاجأة حدثت وفاز الاتحاد السكندري بالكأس بنتيجة 2-1.. هنا، أظهر عبد الحليم روحه الكريمة، حيث لم يلغِ عزومته بل وجهها إلى لاعبي الاتحاد السكندري، وأرسل لهم حافلة خاصة من الإسكندرية ليستقبلهم بنفسه في منزله، وذكرت المصادر الصحفية أنه كرم هداف الاتحاد، عبدالفتاح الجارم، بـ 100 جنيه مكافأة له على هدف الفوز، مما يدل على احترامه للمنافس واللعب النظيف.

بعيدًا عن كرة القدم، كان العندليب يمارس ويستمتع ببعض الألعاب الرياضية الأخرى، ففي بعض اللقطات النادرة التي كشفت عنها التسجيلات القديمة، ظهر عبدالحليم حافظ وهو يمارس ألعابًا مثل كرة القدم، وتنس الطاولة (البينج بونج)، والبلياردو، معتبرًا إياها وسيلة "لتضييع وقته" أو هوايات شخصية يجد فيها المتعة والترفيه.. كما كان يلعب الورق (الكوتشينة) مع أصدقائه المقربين مثل عمر الشريف و بليغ حمدي في باريس، وهي ألعاب اجتماعية تتطلب تركيزًا ومهارة.

باختصار، يظل عبدالحليم حافظ رمزًا فنيًا، لكنه أيضًا يمثل نموذجًا للفنان الذي لم ينفصل عن نبض الشارع وهموم وشغف جماهيره، خاصة في المجال الرياضي، لقد جسّد العندليب الأسمر الروح الرياضية بأبهى صورها؛ بالتشجيع المخلص لفريقه، ودعم نجومه، وتكريم المنافسين، وممارسة الهوايات التي تبعث على التجديد، لقد كانت علاقته بالحياة الرياضية انعكاسًا لإنسانيته وعاطفته الجياشة، والتي لم تقتصر على الحب والغناء بل امتدت لتشمل الملاعب الخضراء أيضًا.