تتصاعد الجهود الدبلوماسية لإنجاز هدنة إنسانية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع (RSF)، فيما تتزايد المخاوف الدولية من اتساع رقعة الكارثة الإنسانية بعد سيطرة الأخيرة على مدينة الفاشر ومحيطها في دارفور. توترات عسكرية واستحقاقات سياسية معقّدة تقف خلف تفاوضات متقطعة تقودها دول عربية وغربية، فيما يبقى التنفيذ العملي لهدنة محتملة رهن توافق الطرفين على التفاصيل الميدانية والضمانات الدولية. 

خلاصة الموقف التفاوضي

أعلنت قوات الدعم السريع، في بيان نشرته اليوم، موافقتها مبدئياً على مقترح لهدنة إنسانية طرحته الولايات المتحدة بالتنسيق مع كل من السعودية والإمارات ومصر (المعروفة بمجموعة الـ"كواد")، يقترح وقفاً إنسانياً أولياً لثلاثة أشهر متبوعاً بمسار سياسي أطول. بينما تبدو الموافقة خطوة دبلوماسية مهمة، يظل الجيش السوداني حذراً ويشترط انسحاب وحدات الدعم السريع من المناطق المدنية وفتح ممرات إنسانية واسعة قبل الالتزام الكامل بأي هدنة. كما يُجرى التباحث حول آليات رصد الالتزام وشروط سحب القوات المسلحة من محاور التوتر. 

العقبات العملية والسياسية

الفراغ المؤسساتي والانقسام داخل الجهاز العسكري، إلى جانب تحالفات إقليمية متناقضة لدعم أطراف مختلفة، يعقدان التوصل لاتفاق دائم. الجيش يؤكد ضرورة ضمانات دولية ووجود آلية فصل عسكرة فعّالة، بينما ترى قيادة الدعم السريع أن بعض الشروط قد تشكّل تهديداً لاستثماراتها العسكرية والسياسية المكتسبة خلال الحرب. كذلك، ثارت تساؤلات حول نوايا الدعم السريع بعد اتهامات دولية متكررة بارتكاب انتهاكات جسيمة في عملياته الأخيرة، وهو ما يزيد من صعوبة بناء الثقة بين الطرفين. 

الوضع في الفاشر: سقوط وإنسانية منهارة

شهدت الفاشر، عاصمة شمال دارفور، تصاعداً في العنف قبل أن تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الأسابيع الماضية بعد حصار استمر نحو 18 شهراً. تقارير وتحليلات صور الأقمار الصناعية أظهرت مناطق بها بقع وكتل ترجيحاً لوجود جثث ومقابر جماعية محتملة، إلى جانب مشاهد تدمير وانتشار مركبات عسكرية. منظمات بحثية أكدت رؤى من صور فضائية تشير إلى عمليات فصل واغتيال لأسرى ومدنيين في نقاط محددة داخل المدينة، في ما وصفه مراقبون بأنه تصعيد مروع يثير شبهات جرائم حرب وإبادة.

الأثر الإنساني: نزوح ومجاعة ووباء محتمل

أدى اقتتال الفاشر والسيطرة العسكرية إلى نزوح جماعي واسع؛ تقديرات منظمات الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية تشير إلى نزوح أكثر من 80 ألف شخص من المدينة ومحيطها خلال أيام، فيما يواجه آلاف آخرون انعدام الوصول الغذائي والمائي وآثار انقطاع الاتصالات. تقارير إغاثية تحذر من تفاقم الجوع وانتشار الأوبئة مثل الكوليرا إذا لم يتم فتح ممرات إنسانية فورية وتأمين إيصال المساعدات الطبية والغذائية. الوضع الصحي في المستشفيات متهالك، مع تسجيل وفيات وإخفاق في استيعاب حالات الإصابات والمرضى، بحسب منظّمات دولية. 

ماذا يعني التوصل لهدنة؟

هدنة إنسانية قد تُمكّن المنظمات الدولية من إيصال مساعدات عاجلة وإنقاذ آلاف المدنيين، وتهيئ مساحة لمفاوضات سياسية أوسع تقود إلى تسوية مستدامة. لكن نجاح أي هدنة يعتمد على ضمانات تنفيذ ملموسة: انسحاب القوات الثقيلة من المناطق السكنية، فتح المعابر أمام المساعدات ووجود آلية مراقبة دولية غير منحازة — ربما بقيادة الأمم المتحدة أو قوة أفريقية مستقلة — للتحقق من الامتثال. كذلك فإن تصحيح الخلل في سلاسل الإمداد الإنساني وإعادة بناء ثقة النازحين سيستغرق وقتاً طويلاً حتى بعد إعلان الهدنة. 

السيناريوهات المتوقعة في الأيام المقبلة

1. تحويل الاتفاق المبدئي إلى اتفاق هدنة مؤقتة محددة بشروط واضحة، مع نشر مراقبين دوليين وفتح ممرات إنسانية — السيناريو الأفضل والمُرحّب به دولياً. 

2. تراجع أحد الطرفين عن التوقيع النهائي أو استمرار القتال في محاور فرعية أدى إلى هدنة هشة لا تحمي المدنيين — السيناريو الأكثر احتمالاً نظراً لسجل الاتفاقات السابقة. 

3. انفجار الأزمة انسحابياً إلى صراع إقليمي أوسع نتيجة تصعيد دعم خارجي لطرف دون آخر، ما يزيد معاناة السكان ويطيل أمد الحرب.

رغم بريق الأمل الدبلوماسي في الموافقة المبدئية لقوات الدعم السريع على مقترح هدنة، تبقى الشكوك كبيرة حول قدرة الأطراف على تحويل هذا الاقتراح إلى وقف إطلاق نار فعلي يحمي المدنيين ويتيح إدخال المساعدات. الفاشر تمثل امتحاناً إنسانياً وقانونياً أمام المجتمع الدولي: إما أن تتحول الموافقة إلى فرصة للإنقاذ وإرساء مسار سياسي، أو أن تبقى مجرد ورقة تفاوضية وسط معاناة متصاعدة ومزاعم انتهاكات جسيمة تتطلب تحقيقات مستقلة ومحاسبة.