لم تقتصر أسطورة كوكب الشرق، السيدة أم كلثوم، على خشبة المسرح وحفلات أول خميس من كل شهر، بل امتد تأثير صوتها الوطني والاجتماعي ليلامس جميع جوانب الحياة المصرية، ومنها بلا شك، عالم الرياضة، إن علاقة "الست" بالرياضة بشكل عام، ليست مجرد قصة تشجيع عابر لفريق بعينه، بل هي انعكاس لدورها كقوة وطنية واجتماعية داعمة للبنية التحتية والمجتمع المصري.

على عكس ما قد يتصوره البعض عن شخصية فنية تلتف حولها الأضواء باستمرار، كانت أم كلثوم تدرك أهمية النشاط البدني في حياتها، وفي حوارات نادرة عن حياتها الخاصة، كشفت أنها كانت تحرص على ممارسة رياضة المشي اليومي لمدة ساعة كاملة، وهو ما يدل على وعيها بأهمية اللياقة البدنية للحفاظ على صوتها وقوتها الجسدية لاستمرار رحلتها الفنية الطويلة
.

كما تشير بعض المقتنيات والصور النادرة إلى أنها لم تكن غريبة عن متابعة الأحداث الرياضية المختلفة؛ حيث وثقت صور حضورها لمباريات كرة قدم دولية، مثل مباراة مصر والمجر عام 1948، بل وذهابها لحضور مباريات المصارعة في الثلاثينيات من القرن الماضي، مما يؤكد أن متابعة الرياضة كانت جزءًا من اهتماماتها الترفيهية والاجتماعية التي تتجاوز حدود الغناء
.

كانت العلاقة بين أم كلثوم والأندية الرياضية الكبرى تتجاوز التشجيع إلى الدعم المؤسسي الحقيقي الذي يساهم في بناء هذه الكيانات الوطنية، ورغم ارتباط اسمها الشديد بالنادي الأهلي، حيث كانت من أوائل السيدات اللاتي مُنحن العضوية بعد فتح باب العضويات النسائية عام 1916، وحصولها على العضوية الشرفية مدى الحياة، إلا أن هذا الارتباط كان يحمل بعدًا وطنيًا وخدميًا عميقًا
.

ساهمت أم كلثوم بشكل مباشر في تعزيز البنية التحتية للنادي الأهلي عبر إحياء حفلات غنائية سنوية تُخصص إيراداتها لصالح النادي، ونتيجة لهذه الحفلات الخيرية، استطاع النادي تنفيذ مشاريع حيوية كبرى، منها بناء حمام السباحة والمدرجات، حتى إن أحد المدرجات في ملعب مختار التتش التاريخي كان يُعرف باسم "مدرج أم كلثوم"، هذه المساهمات الضخمة تؤكد أن الرياضة كانت بالنسبة لها وسيلة لدعم المؤسسات الأهلية التي تخدم الشباب والمجتمع
.

لعل أقوى تصريح يكشف عن عمق العلاقة بين أم كلثوم والرياضة لم يأتِ على لسان ناقد، بل على لسانها هي شخصيًا، فعندما سألها الفنان سمير صبري في حوار شهير: "لو لم تكوني أم كلثوم، ماذا كنتِ تتمنين أن تكوني؟"، أجابت بمنتهى العفوية والعمق: "أحب أكون حارس مرمى في النادي الأهلي، لأن حارس المرمى هو المدافع، وأنا فلاحة، اللي يدافع عن المرمى يدافع عن الأرض والعرض والشرف والبلد".

هذا التصريح يُعد بمثابة وثيقة وطنية؛ فهو يربط بين دور الرياضي، وتحديدًا المدافع والحارس، وبين مفهوم الدفاع عن الوطن والشرف والأرض، وهو الدور الذي كانت "الست" تراه في نفسها كفنانة تدافع عن الهوية والثقافة المصرية
.

علاقة أم كلثوم بالرياضة لم تكن مجرد ميل شخصي، بل كانت تجسيدًا لدورها الوطني الشامل؛ فقد مارستها، وتابعتها، والأهم من ذلك، دعمت مؤسساتها بالمال والفن، ورأت في رموزها امتدادًا لدورها في الدفاع عن كرامة مصر، لقد جعلت كوكب الشرق من الرياضة ساحة أخرى تُضاف إلى صالات الحفلات، لتؤكد أن الفن الحقيقي لا يعزل صاحبه عن قضايا ومؤسسات وطنه
.