يشهد السودان منحنى خطيرًا في الحرب المستمرة منذ أكثر من عام ونصف، بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور. هذا التطور قلب موازين الصراع، ودفع مئات الآلاف للنزوح وسط تقارير عن انتهاكات واسعة وعمليات قتل بحق المدنيين. وفي ظل انهيار الخدمات الصحية وانتشار وباء الكوليرا ونقص الغذاء والمياه، تتجه البلاد نحو واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في المنطقة.

ورغم إعلان قوات الدعم السريع موافقتها على مقترح هدنة إنسانية بوساطة أمريكية وعربية، يواجه هذا المقترح رفضًا رسميًا من الجيش السوداني، حيث أكد القائد عبد الفتاح البرهان أن الحرب "لن تنتهي باتفاق أو هدنة"، داعيًا إلى التعبئة العامة وطلب مشاركة السودانيين القادرين على حمل السلاح للقضاء على الدعم السريع. هذا الوضع يجعل وقف إطلاق النار غير مضمون، ويضع المدنيين في مواجهة مباشرة مع استمرار القتال وتصاعد الأزمة الإنسانية، وسط ضبابية مستقبل التسوية السياسية في البلاد.

أكد اللواء شبل عبد الجواد، رئيس قطاع مكافحة الإرهاب المنظمة العربية الافريقية، قائد الشرطة العسكرية والخبير العسكري، أن الوضع في السودان مأساوي وغير مسبوق، مشيراً إلى أن آلاف المدنيين يعانون من الأمراض ونقص الرعاية الصحية بعد تدمير معظم البنية التحتية والمستشفيات والمرافق الحيوية على يد قوات الدعم السريع.

وأوضح عبد الجواد، لـ"خمسة سياسة"، أن الجيش السوداني يحاصر مدينة الفاشر، بعد حصار دام 500 يوم، لكنه لم يدخل المدينة بعد، محذراً من أن الوضع يتدهور بسرعة وقد يكون أكبر مجزرة بشرية في تاريخ السودان.

وحول الهدنة المقترحة من أطراف دولية، أوضح عبد الجواد أن البرهان رفض أي وقف لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر بدعم أمريكي، مصري، إماراتي وتركي، مؤكداً أن قبول الهدنة يعني منح قوات الدعم السريع حقوقاً غير مستحقة ويعتبر انتصاراً لها، بينما هدف الجيش السوداني القضاء على هذه القوات.

وأضاف اللواء شبل عبد الجواد أن الدعم الدولي للجيش ضروري لضمان تقدم القوات السودانية والقضاء على تهديدات الدعم السريع، الذي يتكون من مرتزقة وعصابات مسلحة مدعومة سابقاً من نظام عمر البشير والإخوان المسلمين.

وأشار اللواء إلى أن الصراع في السودان أصبح دولياً، مع تدخل أطراف متعددة لتحقيق مصالح شخصية، محذراً من مخططات لتقسيم البلاد، خصوصاً دارفور الغنية بالثروات الطبيعية مثل اليورانيوم والذهب، مؤكداً أن مصر ترفض بشدة أي تقسيم للسودان باعتباره جزءاً من الأمن القومي المصري.

وأوضح أن الميليشيات المدعومة دولياً تسعى لانفصال دارفور، بينما الجيش السوداني يسعى للحفاظ على وحدة البلاد ومقدراته.

وأكد عبد الجواد أن ما يحدث في السودان يمثل مخططاً صهيونياً لتقسيم الوطن العربي، وأن بعض الدول العربية تدعمه بأموال مهولة، مشدداً على ضرورة تدخل عاجل من المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية لإنقاذ السودان من الأزمة الحالية.

وأوضح أن هناك طائرات مسيرة كانت متجهة إلى قوات حميتي وتم تدميرها قبل الوصول، محذراً من المخاطر الكبيرة التي قد تهدد البلاد في حال سيطرة الدعم السريع على أي مواقع استراتيجية.

وأشار اللواء إلى أن السودان يمتلك ثروات هائلة من ذهب ويورانيوم وموارد حيوانية ضخمة تصل إلى 54 مليون رأس ماشية، إلا أن الصراع الحالي يعرض هذه الثروات للخطر.

ودعا عبد الجواد الشعب السوداني للتكاتف مع الجيش لمواجهة قوات الدعم السريع وحماية البلاد، مؤكداً أن الجيش السوداني قادر على التقدم رغم حجم المساحة الشاسعة للسودان وصعوبة الحرب، وأن القضاء على الدعم السريع يمثل خطوة أساسية للحفاظ على وحدة السودان وسلامة مواطنيه.

ومن جانبها، أكدت الدكتورة ضحى هلال، الباحثة في الشؤون السياسية والدولية، أن المجتمع الدولي لم يقم بدوره تجاه الأزمة السودانية، بل يغض الطرف عن المجازر والانتهاكات التي تشهدها الفاشر وغيرها من المناطق التي تمتد إليها أعمال العنف.

وأشارت إلى أن الاكتفاء ببيانات الإدانة والدعوات التقليدية للحلول السلمية، في ظل انشغال القوى الكبرى بملفات إقليمية ودولية مثل حرب غزة والحرب الروسية الأوكرانية، جعل التحركات الدولية تجاه السودان بطيئة وغير فعالة.

وأضافت هلال لـ"خمسة سياسة"، أن المصالح المتشابكة والصراع على النفوذ بين أطراف خارجية عدة، أبطأت محاولات طرح مسارات جادة لحل الأزمة في السودان، وجعلت أي جهود سياسية أو دبلوماسية "عاجزة" عن تحقيق تأثير حقيقي.

وأوضحت الباحثة أن سيطرة مليشيا الدعم السريع على الفاشر والتطورات العسكرية الراهنة قد لا تؤدي لتقسيم السودان سياسياً في المدى القريب، لكنها ستطيل أمد الصراع، في ظل الدعم الخارجي للتسليح واللوجستيات.

ورجّحت أن يترتب على ذلك أحد سيناريوهين: إما تفكك الدولة إلى كيانات مسلحة متنازعة، أو بروز شكل من الحكم المحلي أو شبه الإقليمي في دارفور، مع تراجع سيطرة الحكومة المركزية.

وأشارت هلال إلى أن الأزمة الإنسانية في السودان، رغم تفاقمها ونقص الغذاء والدواء وتفشي الأمراض، لم تُحدث حتى الآن ضغطًا دوليًا أو شعبيًا كافيًا لطرح حلول جادة، مؤكدة أن الطبيعة السياسية للنزاع تعيق أي تدخل مباشر لحماية المدنيين. ووصفت الوضع بقولها: "من لا يموت بالقتل الجماعي يموت بسوء الأوضاع المعيشية".

وفي المقابل، رصدت الباحثة تحركات الجيش السوداني الأخيرة ودعوته للتعبئة العامة، معتبرة أنها تعكس إيمان الجيش بأن الحل العسكري هو السبيل الوحيد لاحتواء مليشيا الدعم السريع، وأنه يدفع بكل ثقله خلف هذا الخيار. لكنها شددت على أن التحدي الأكبر يكمن في قدرة الجيش على الحشد والتأثير في المشهد الميداني.

واختتمت بأن المعطيات الحالية تشير إلى سيناريو حرب طويلة ممتدة، مع استمرار موجات النزوح الداخلي، قائلة: "ما أشبه أزمة اليوم في السودان بأزمة البارحة في غزة والكونغو، حيث الخاسر الأكبر دائمًا هو الإنسانية."