يُشكّل المغاربة المقيمون بالخارج، والذين يُقدر عددهم بأكثر من 6 ملايين نسمة، ليس مجرد جالية، بل هم "المغرب الخامس" في العالم.
هذه الكفاءات، التي تتوزع على مختلف القطاعات الحيوية في أوروبا وأمريكا الشمالية والخليج، من المهندسين والأطباء إلى رجال الأعمال والباحثين، هي اليوم محور استراتيجية مغربية واضحة لتحويل هذه الثروة البشرية إلى قوة ناعمة ومحرك للتنمية الوطنية.
يُعد المغاربة المقيمون بالخارج (MRE) شرياناً حيوياً لاقتصاد المملكة، متجاوزين في بعض الأحيان إيرادات قطاعات تقليدية مثل السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر.
تُسجل التحويلات المالية للمهاجرين المغربيين أرقاماً قياسية عاماً بعد عام، حيث تجاوزت في السنوات الأخيرة عتبة 100 مليار درهم مغربي (حوالي 10 مليارات دولار أمريكي).. هذه العملات الصعبة لا تساهم فقط في دعم ميزان المدفوعات واستقرار سعر الصرف، بل تشكل مصدر دخل رئيسي لملايين الأسر في الداخل.
لم يعد دور المهاجر يقتصر على التحويلات الاستهلاكية؛ فقد تحولت استراتيجية المملكة إلى تشجيعهم على الاستثمار في المشاريع الإنتاجية (الصغيرة والمتوسطة) في جهاتهم الأصلية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا، والصناعة، والخدمات، مما يخلق فرص عمل ويُسرّع نقل التكنولوجيا والخبرة الإدارية الحديثة.
القوة الناعمة والدبلوماسية الموازية سياسياً، يُشكل المحترفون المغاربة في الخارج قوة ضغط ناعمة ودبلوماسية موازية ذات تأثير عميق، خاصة في القضايا الوطنية الكبرى.
يلعب المغاربة في المهجر دوراً حاسماً في التأثير على الرأي العام وصناع القرار في البلدان المضيفة، لا سيما في قضية الوحدة الترابية للمملكة.
وجود أفراد من أصل مغربي في مناصب سياسية، إعلامية، وأكاديمية رفيعة في أوروبا وأمريكا يمنح المملكة جسراً للتواصل والنفوذ غير المباشر.. هذا الوجود يُعزز صورة المغرب كدولة منفتحة وموثوقة، ويسهل الشراكات الثنائية.
إن نجاح الكفاءات المغربية في الاندماج والتميز بالخارج يُعتبر دليلاً على جودة التعليم والتدريب في المغرب، مما يُعزز الثقة في الإمكانات البشرية المحلية.. للاستفادة القصوى من هذه الثروة، أطلق المغرب برامج ومؤسسات لتعزيز الروابط بين المهاجرين ووطنهم الأم، مثل مجلس الجالية المغربية بالخارج ومبادرات تهدف لربط الخبراء والمستثمرين بالفرص المتاحة في إطار النموذج التنموي الجديد.
دمج هذه الطاقات وتفعيل دورها في التنمية المستدامة هو العنوان الأبرز للمرحلة القادمة، لتحويل "جسر العودة" إلى محرك دائم للتنمية والريادة الإقليمية.
