بعيداً عن صخب الملاعب وهتافات الجماهير، هناك قبة برلمانية في قلب القاهرة تُدار تحتها دفة التشريع والرقابة التي تُشكل الهيكل القانوني والمؤسسي للحياة الرياضية في مصر، مجلس النواب المصري، بصفته السلطة التشريعية في البلاد، لا يقف متفرجاً على الإنجازات والأزمات الرياضية، بل يمثل القوة الدافعة وراء تنظيم المنظومة وتوجيهها نحو الاحترافية والاستثمار. لقد شهدت العلاقة بين السلطة التشريعية والرياضة تطوراً نوعياً، حيث تحول دور المجلس من مجرد إقرار ميزانيات إلى مشارك فاعل في صياغة مستقبل القطاع، خاصة عبر بوابة "قانون الرياضة" الذي يمثل حجر الزاوية في تنظيم الأندية والاتحادات والشركات الرياضية.
الدور الأبرز لمجلس النواب يكمن في إقرار وتعديل قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017، والتعديلات اللاحقة عليه (كالقانون رقم 171 لسنة 2025)، والتي تستهدف تحقيق عدة مرتكزات حيوية حيث تشجيع الاستثمار الرياضي كانت التعديلات الأخيرة تستهدف بشكل مباشر تيسير إجراءات إنشاء شركات الخدمات الرياضية والسماح للهيئات الرياضية (الأندية والاتحادات) بتأسيس هذه الشركات، مما يفتح آفاقاً جديدة لجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية ويساعد الأندية الجماهيرية على تحقيق الاستدامة المالية بدلاً من الاعتماد الكلي على الدعم الحكومي.
سعى البرلمان من خلال التعديلات إلى معالجة الإشكاليات التطبيقية والتفسيرات المتباينة للمواد القانونية القائمة، والتي كانت سبباً في نشوب صراعات وأزمات داخل الوسط الرياضي، الهدف هو تحقيق التوازن بين استقلال الهيئات الرياضية (وفقاً للميثاق الأولمبي) والرقابة الحكومية اللازمة لضمان النزاهة والشفافية وحماية المال العام.
استحدثت مواد عقابية صارمة لحماية العناصر الأساسية للرياضة، من لاعبين ومنشآت وجماهير، بما يضمن بيئة آمنة للمنافسات الرياضية.
تعتبر لجنة الشباب والرياضة داخل مجلس النواب هي القناة الرئيسية التي يمارس من خلالها النواب صلاحياتهم الرقابية والتوجيهية، هذه اللجنة تقوم بـ مناقشة استراتيجيات الوزارة التي تستدعي اللجنة وزير الشباب والرياضة وكبار المسؤولين لمناقشة خطط الوزارة في تطوير المرافق، ودعم الرياضة المدرسية والجامعية، واستثمار مراكز الشباب.
يدعو النواب باستمرار إلى توسيع الشراكات مع القطاع الخاص لتطوير المنشآت الرياضية بنظام حق الانتفاع، لزيادة كفاءة التشغيل وتخفيف العبء عن الموازنة العامة للدولة.
تشمل جهود المجلس دعم فكرة إنشاء مراكز للبحوث الرياضية لتقديم الدراسات والاستراتيجيات التطويرية التي تخدم كل مكونات الرياضة المصرية.
رغم الدعوات إلى فصل الرياضة عن السياسة، إلا أن مجلس النواب يظل الجسر الذي يربط بينهما. التشريعات التي يصدرها لا تنظم الأداء الفني والرياضي فحسب، بل تُحدد شكل الهياكل الإدارية والاقتصادية للكيانات الرياضية الأكثر جماهيرية وتأثيراً في البلاد، ولعل الموافقة على تعديلات القانون تؤكد على أن الرياضة أصبحت قطاعاً استراتيجياً تضع الدولة رؤى واضحة لتنظيمه وحوكمته، بهدف تعظيم دورها الاقتصادي والاجتماعي.
يظل البرلمان هو الإطار القانوني الذي يحفظ للرياضة استقلالها النسبي ويضمن في الوقت ذاته شفافية أدائها وتوافقها مع رؤية الدولة، مؤكداً أن إصلاح المنظومة الرياضية يمر حتماً عبر قاعة التشريع.
