في مدينة بورسعيد الباسلة، حيث يتجسد التاريخ في كل شارع وميناء، وُلد النادي المصري البورسعيدي في عام 1920.
لم يكن تأسيس النادي مجرد حدث رياضي عادي، بل كان إعلاناً وطنياً مُبكراً في وجه الهيمنة الأجنبية التي كانت تسيطر على المنطقة والقناة.
ففي الوقت الذي كانت فيه الأندية الأخرى تُنشأ بأسماء أجنبية أو تحت رعاية أوروبية، أصر المؤسسون على أن يحمل النادي اسم "المصري"، تأكيداً للهوية، وتحدياً علنياً لوجود أندية الجاليات مثل "الجمعية الفرنسية" و"الجمعية اليونانية".
كان النادي المصري منذ أيامه الأولى بمثابة تجمع للنخبة الوطنية من أهالي المدينة، يضم رجال الأعمال، والمثقفين، وقادة الحركة الوطنية.
تحول الملعب الأخضر إلى منصة غير رسمية للتعبير عن الغضب الوطني، حيث كانت انتصاراته على الفرق الأجنبية تُستقبل كانتصارات سياسية صغيرة، وتُشعل حماس الجماهير ضد الاحتلال البريطاني وامتيازات قناة السويس.
شكلت جغرافية بورسعيد، كبوابة مصر الشمالية وموقعاً استراتيجياً للقناة، عاملاً حاسماً في تعميق العلاقة بين النادي والسياسة.
خلال فترة العدوان الثلاثي عام 1956، تحول النادي ولاعبوه ومقراته إلى جزء لا يتجزأ من المقاومة الشعبية.. توقفت عجلة الرياضة، وانخرط اللاعبون والجماهير في أعمال الدفاع عن المدينة.
لم يكن المصري مجرد نادٍ، بل أصبح رمزاً لصمود بورسعيد الأسطوري في وجه القصف والاحتلال.. هذه الأحداث رسخت في الوعي الجمعي المصري أن النادي ليس مجرد فريق كرة قدم، بل هو أيقونة للمقاومة والصمود.
في مراحل تالية من تاريخ مصر الحديث، ظلت العلاقة قائمة، لكنها اتخذت أشكالاً مختلفة، في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، حظيت الأندية الوطنية بدعم كبير، وكان النادي المصري جزءاً من هذه المنظومة.
ومع تعاقب الأنظمة، كان النادي يجد نفسه أحياناً في مرمى الاهتمام الحكومي، وأحياناً أخرى في دائرة النسيان، خاصة بعد انتقال مركز الثقل السياسي والإعلامي إلى القاهرة.
مع ذلك، ظلت جماهير المصري تحافظ على هويتها السياسية المستقلة والساخطة أحياناً.. تُعرف هذه الجماهير، خاصة الألتراس في العقدين الأخيرين، بمواقفها القوية تجاه القضايا الوطنية، وبقدرتها على التعبير عن نبض الشارع البورسعيدي خارج أطر التوجيه الرسمي.
