تتجه أنظار الملايين من المحيط إلى الخليج نحو دولة قطر التي تستضيف النسخة الحادية عشرة من بطولة كأس العرب 2025 تحت مظلة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).. ورغم أن اللعبة هي كرة القدم والهدف هو الكأس، إلا أن هذه البطولة الإقليمية تظل استثناءً في عالم المستطيل الأخضر، إذ يتردد صداها في أروقة السياسة والدبلوماسية بقوة تفوق بكثير تأثيرها الرياضي البحت.
لطالما عكست بطولة كأس العرب، منذ انطلاقها في عام 1963، الواقع السياسي والاجتماعي المعقد للمنطقة، ففترات التوقف الطويلة التي شهدتها عبر تاريخها لم تكن نتيجة تراجع في مستوى اللعبة، بل كانت انعكاساً مباشراً لحروب وأزمات المنطقة وغياب التوافق العربي.. اليوم، وفي خضم توترات إقليمية وتحوّلات سياسية، تأتي استضافة قطر للبطولة لتؤكد دور الرياضة كقوة ناعمة وقناة مفتوحة للتواصل.
تُصبح الملاعب في الدوحة بمثابة منصة دبلوماسية مفتوحة، إنها المساحة الوحيدة التي يتجاور فيها لاعبون وجماهير من دول قد تكون علاقاتها الرسمية متوترة أو مقطوعة.. مشهد تبادل التحية بين اللاعبين، وتداخل الأعلام الوطنية في المدرجات، والاحتفاء المشترك باللغة والهوية، كل ذلك يرسل رسائل تقارب ووئام لا تستطيع القمم الرسمية تحقيقها دائماً.
التأثير السياسي لكأس العرب لا يقتصر على رسائل الأنظمة، بل يتجلى بوضوح في صوت الجماهير، فالمدرجات تتحول إلى منبر عفوي للتعبير عن الهموم والقضايا المشتركة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، التي دائماً ما تكون حاضرة كـ"قضية العرب الأولى".. الهتافات والأغاني واللافتات التي يحملها المشجعون تتجاوز حدود اللعبة، لتوحد نبض الشارع العربي حول القضايا المصيرية، مانحة البطولة بعداً قومياً عميقاً.
هذا الحضور الشعبي يكسر حواجز البيروقراطية الرسمية، حيث يجد الشباب العربي فرصة نادرة ليشعروا بوحدة الانتماء، بعيداً عن الخلافات السياسية التي تفرق الحكومات، فاللاعبون أنفسهم يتحولون إلى سفراء غير رسميين ينقلون صورة بلدانهم إلى العالم، وتصبح انتصاراتهم مصدر فخر وطني وقومي يتجاوز حدود الميدان.
بالنسبة لدولة قطر، فإن تنظيم كأس العرب 2025 يمثل استثماراً استراتيجياً في قوتها الناعمة ومكانتها الإقليمية والدولية، بعد نجاحها في استضافة كأس العالم 2022، تؤكد قطر جاهزيتها التنظيمية وبنيتها التحتية المتقدمة، كما ترسخ دورها كوسيط إقليمي قادر على جمع الفرق العربية ضمن معايير عالمية.
من خلال هذه البطولة، تعمل الدوحة على تعزيز صورتها كمركز ريادي للفعاليات الرياضية الكبرى، وتفتح قنوات تواصل غير مباشرة مع الدول المشاركة، مستغلة الشغف الكروي لتعزيز التحالفات وبناء الثقة في المنطقة، إنها رسالة واضحة مفادها أن الاستقرار والتنمية في المنطقة يمكن أن يتجسد في مثل هذه الفعاليات الكبرى.
