في بلدٍ تتربع فيه كرة القدم على عرش الشعبية، وتستحوذ على وجدان الملايين، يثير توصيف أغلب الأندية المصرية لنشاط كرة القدم باعتباره «نشاطًا خاسرًا» تساؤلًا مشروعًا ومربكًا في آنٍ واحد. فكيف للعبةٍ هي الأكثر جماهيرية وتأثيرًا أن تتحول، بحسب إداراتها، إلى عبءٍ مالي يتضخم عامًا بعد عام؟

السؤال، في حقيقته، لا ينبغي أن يُطرح بهذه الصيغة المباشرة. فالمعضلة لا تكمن في كرة القدم ذاتها، بل في الطريقة التي تُدار بها. ومن هنا يصبح السؤال الأدق:
هل نُدير كرة القدم المصرية بطريقة تسمح لها بأن تُربح؟

في التجارب العالمية، لا تُدار كرة القدم باعتبارها هواية أو نشاطًا اجتماعيًا، بل كصناعة متكاملة ونشاط اقتصادي تحكمه قواعد صارمة، ومصادر دخل محددة، وآليات رقابة دقيقة. هذه الصناعة لا تقوم على التبرعات أو الدعم الحكومي، بل تعتمد على ما تحققه اللعبة نفسها من عوائد، في إطار ما يُعرف بمفهوم «الربح النظيف»، وهو الأساس الذي تبنته مؤسسات كبرى مثل الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم (FIFA وUEFA)، عبر قواعد اللعب المالي النظيف التي تهدف إلى منع الأندية من إنفاق أموال تفوق دخلها الحقيقي.

ويُقصد بعوامل الربح النظيف كل العوائد الناتجة مباشرة عن ممارسة نشاط كرة القدم، دون الاعتماد على دعم اجتماعي أو تبرعات، أو قروض، أو أموال اشتراكات وفروع، أو تدخلات حكومية مباشرة. وبغياب هذه الفلسفة، تتحول كرة القدم من صناعة قادرة على الاستدامة إلى نشاطٍ يستنزف الموارد ويُراكم الأزمات.

على رأس هذه العوائد تأتي حقوق البث التلفزيوني والرقمي، التي تُعد عالميًا المصدر الأقوى للدخل في كرة القدم المحترفة. غير أن هذا المصدر، في الحالة المصرية، يظل الأضعف تأثيرًا. ويرجع ذلك إلى ضعف قيمة البيع المركزي لحقوق البث عبر الاتحاد المصري لكرة القدم ورابطة الأندية، وغياب المنافسة الحقيقية بين القنوات والمنصات، فضلًا عن ضعف التسويق وغياب الشفافية والعدالة في إعلان الأرقام وآليات التوزيع. ورغم محدودية هذه العوائد، فإنها تظل ربحًا نظيفًا يكشف خللًا مؤسسيًا وتسويقيًا، لا خللًا في اللعبة نفسها.

أما إيرادات يوم المباراة، التي تشمل تذاكر الحضور، والمقصورات، والإعلانات داخل الملاعب، ومبيعات الأطعمة والخدمات، فهي شبه غائبة في مصر. قيود الحضور الجماهيري، وارتفاع أسعار التذاكر مقارنة بالقدرة الشرائية للجماهير، وضعف البنية التحتية والخدمات، وغياب الإدارة الاحترافية للملاعب، كلها عوامل جعلت هذا المصدر الهام عالميًا بلا وزن يُذكر محليًا، رغم كونه مؤشرًا أساسيًا على كفاءة تشغيل الأندية.

وتأتي الرعايات التجارية في موقعٍ ملتبس بين الربح والدعم المقنّع. فالرعاية لا تُعد ربحًا نظيفًا إلا إذا جاءت بعقود معلنة، وقيم سوقية عادلة، وخضعت لرقابة مالية رياضية تميّز بين الرعاية الحقيقية والتلاعب المالي. أما العقود المبالغ فيها، أو تلك المرتبطة إداريًا بجهات داعمة، فهي تشوه المنافسة وتخل بقواعد السوق، وهو ما تعانيه الأندية الجماهيرية على وجه الخصوص، حيث يختلط مفهوم الرعاية بالدعم المباشر.

وفي ملف التسويق والمنتجات، تبدو الفرصة الضائعة أكثر وضوحًا. فرغم القاعدة الجماهيرية الواسعة، لا تزال عوائد القمصان الرسمية والمنتجات التجارية محدودة، بسبب ارتفاع الأسعار، واقتصار البيع الفعلي على عدد محدود من الأندية، وانتشار السوق الموازية للمنتجات المقلدة، وضعف الحماية القانونية، وغياب منظومة متكاملة للتسويق عبر متاجر رسمية أو رقمية. ومع ذلك، يظل هذا البند من أنظف مصادر الربح، لارتباطه المباشر بالجمهور.

أما انتقالات اللاعبين، فهي في الواقع المصري أقرب إلى «بيع اضطراري» منها إلى نموذج اقتصادي مستدام. فالربح الحقيقي يتحقق عندما يكون اللاعب نتاج قطاع ناشئين أو مشروع تطوير طويل الأمد، لا مجرد ورقة تُباع لسد عجزٍ مالي طارئ. وفي هذا السياق، تحقق أندية قليلة فقط فائضًا حقيقيًا، بينما تبيع الغالبية لاعبيها تحت ضغط الأزمة.

وتظل الجوائز والمكافآت، سواء المحلية أو القارية أو الدولية، دخلًا نظيفًا لكنه غير مضمون بطبيعته، ولا يصلح ليكون أساسًا للاستدامة، بل عامل تحفيزي مرتبط بالنجاح الرياضي، لا ركيزة اقتصادية ثابتة.

وفي عصر الاقتصاد الرقمي، تبرز الحقوق الرقمية ككنزٍ غير مستغل. فالمحتوى الرقمي، ومنصات الاشتراك، وحقوق الصورة، وقنوات الأندية، لا تزال خارج دائرة الاستثمار الجاد، رغم الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، في خلل إداري واضح يعكس تأخرًا في استيعاب اقتصاديات الإعلام الجديدة.

من هنا، تتضح الخلاصة الأولى: كرة القدم ليست نشاطًا خاسرًا بطبيعتها، بل تمتلك أدوات ربح واضحة. لكنها تتحول إلى عبءٍ مالي عند غياب هذه الأدوات، وغياب القواعد الملزمة، وسوء الإدارة، وخلط المال الاجتماعي بالمال الرياضي، والتدخلات الخارجية التي تفسد السوق وتقتل الحافز على الربح النظيف.

وتزداد الأزمة تعقيدًا في ظل غياب العدالة المالية بين الأندية. فالأهلي والزمالك يُتعامل معهما باستثناءات غير موجودة عالميًا، سواء في توزيع حقوق البث، أو تركّز الرعايات والإعلانات، أو ضعف الرقابة على العقود بما لا يتناسب مع القيمة السوقية الحقيقية. أما أندية الشركات والهيئات، فيفترض أن تعتمد على نشاط كرة القدم ذاته، لا على إنفاق مباشر من الجهة المالكة، لأن ذلك يفسد المنافسة ويشوّه السوق. في حين تجد الأندية الجماهيرية نفسها مطالبة بتشريعات تضمن العدالة المالية، وقوانين شفافية تُلزم بإعلان الأرقام، وسياسات استدامة تحمي وجودها داخل منظومة احتراف حقيقية.

وتعكس تصريحات مسؤولي الأندية ووزارة الرياضة عمق هذه الفجوة الهيكلية. فقد أقرّ مسؤولون في الأهلي والزمالك خلال السنوات الأخيرة بأن عوائد البث والتذاكر لا تغطي مصروفات كرة القدم، وأن الاعتماد على مصادر خارج النشاط الكروي أصبح أمرًا واقعًا. كما أكدت تصريحات وزير الرياضة أن تعديلات قانون الرياضة تستهدف معالجة هذه الاختلالات، وتحقيق استدامة المال الرياضي، وحماية نزاهة المنافسة.

وتدعم الأرقام المعلنة هذا الواقع؛ إذ كشفت ميزانيات الأندية الكبرى عن خسائر وديون بمئات الملايين من الجنيهات، فيما تبدو الأزمة أكثر حدة لدى أندية أقل جماهيرية، ما يمثل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الرياضي.

في هذا السياق، يتضح سبب فشل كثير من شركات كرة القدم: فهي تُنشأ دون ضبط مالي صارم، أو عدالة في توزيع حقوق البث، أو رقابة على الرعايات، أو إدارة احترافية، أو قاعدة إيرادات ثابتة وشفافة. وبدون هذه العناصر، تظل شركات الكرة كيانات شكلية أو خاسرة.

في المحصلة، لا يثبت هذا الواقع فشل قواعد اللعب المالي النظيف، بل يثبت أن كرة القدم المصرية لم تدخل بعد منطق الاحتراف الاقتصادي. فما زالت تُدار بعقلية الهواية، في انتظار أدوات الربح، ومقدمات الاستدامة، وتشريعات تُخرجها من دائرة الأزمات إلى فضاء الصناعة. وهي مرحلة أولى طال انتظارها، نحو منظومة كرة قدم محترفة، قادرة على مواكبة العالمية، وصناعة المجد الوطني عبر قوة الرياضة ومعناها.