سادت حالة من الغموض والارتباك المشهد السياسي والإعلامي في سوريا خلال الأيام الأخيرة، امتدت أصداؤها إلى رواد مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم، وذلك في أعقاب غياب أحمد الشرع عن الظهور العلني منذ مشاركته الأخيرة في حفل إشهار العملة الجديدة، الذي أُقيم في 29 ديسمبر الماضي، ما فتح الباب أمام سيل من التساؤلات والتكهنات حول حقيقة الأوضاع داخل أروقة الحكم.
شائعات واسعة وانتشار روايات متضاربة
ومع استمرار الغياب، شهدت منصات التواصل الاجتماعي تداولًا مكثفًا لمنشورات وتدوينات زعمت وقوع حادث أمني خطير استهدف أحمد الشرع وعددًا من كبار المسؤولين، وتحدثت تلك الروايات عن اشتباكات مسلحة في محيط القصر الجمهوري بدمشق، وهو ما ساهم في تصاعد حالة القلق والجدل بين المتابعين داخل سوريا وخارجها، وسط غياب معلومات رسمية واضحة في الساعات الأولى لانتشار تلك الأنباء.
وزارة الداخلية تنفي بشكل قاطع
في محاولة لاحتواء الجدل المتصاعد، نفت وزارة الداخلية السورية، اليوم، بشكل قاطع جميع الأنباء المتداولة بشأن تعرض الرئيس الشرع لأي حادث أمني، مؤكدة أن ما تم تداوله لا يمت للحقيقة بصلة، ووصفت تلك المزاعم بأنها شائعات مغرضة جرى الترويج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، في منشور عبر منصة «إكس»، إن الادعاءات التي جرى تداولها لا أساس لها من الصحة، موضحًا أن بعض الصفحات تعمدت نشر بيانات مزورة نُسبت زورًا إلى جهات رسمية، في محاولة لتضليل الرأي العام وبث البلبلة.
بيان متداول يثير تساؤلات إضافية
وجاء نفي وزارة الداخلية عقب تداول بيان مفصل نُسب إليها، أكد أن أحمد الشرع «بخير ويتمتع بكامل الصحة والعافية، ويمارس مهامه الدستورية بصورة طبيعية»، كما برر البيان المتداول غياب الرئيس عن الظهور الإعلامي خلال هذه المرحلة بـ«اعتبارات أمنية واستراتيجية عليا»، مشيرًا إلى أنه يواصل عمله بعيدًا عن الأضواء.
إلا أن تداول البيان خارج القنوات الرسمية المعتمدة زاد من حالة الغموض، وأثار تساؤلات جديدة حول دقة المعلومات ومصادرها، خاصة في ظل حساسية المرحلة السياسية التي تمر بها البلاد.
روايات عن إطلاق نار داخل القصر الجمهوري
في المقابل، استمرت منصات التواصل الاجتماعي في تداول روايات تحدثت عن وقوع اشتباكات مسلحة داخل محيط القصر الجمهوري مساء 30 ديسمبر، بين ما وصف بـ«الحرس القديم لهيئة تحرير الشام» والحرس الجديد المكلف بحماية الرئيس.
وادعت تلك الروايات أن الاشتباكات أسفرت عن إصابة الرئيس الشرع ونقله إلى المستشفى، فضلًا عن سقوط ضحايا من القيادات الأمنية، وهو ما ساهم في تعميق حالة الغموض والجدل، خاصة مع تضارب المعلومات وعدم صدور بيانات تفصيلية رسمية في هذا الشأن.
المرصد السوري يتراجع ويطالب بالشفافية
من جهته، أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان أنه قام بحذف البيان المنسوب لوزارة الداخلية من صفحاته، مؤكدًا أن هذا القرار جاء حفاظًا على مصداقيته أمام جمهوره، نظرًا لعدم نشر البيان عبر القنوات الرسمية الحكومية المعتمدة.
وقال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن في تصريحات لوسائل الاعلام السورية، إن هناك تساؤلات مشروعة لا تزال بلا إجابة حول ما جرى داخل القصر الجمهوري مساء 30 كانون الأول/ديسمبر، مؤكدًا وقوع حادث إطلاق نار، وإن استبعد في الوقت ذاته فرضية الاغتيال.
وأضاف عبد الرحمن: «لا يمكن القول إن شيئًا لم يحدث، هناك إطلاق نار مؤكد، والسؤال هو من أطلق النار؟ ومن الذي أُصيب؟».
غياب الشرع عن لقاء «قسد» يفتح باب التساؤلات
وزاد من حدة الجدل غياب الشرع عن لقاء جمع وفدًا رفيع المستوى من قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، وهو اللقاء الذي وصفه مدير المرصد بأنه يحمل دلالات سياسية مهمة، خاصة في ظل الحديث عن رعاية أمريكية للاجتماع.
وأشار عبد الرحمن إلى أن عقد اللقاء في حد ذاته خطوة إيجابية، لكنه تساءل عن سبب غياب الرئيس الشرع عنه، قائلًا: «لا يوجد أعلى مستوى من الوفد الذي التقى قسد سوى الرئيس نفسه، وغيابه يطرح علامات استفهام كبيرة».
صمت رسمي يزيد الغموض
وفي ظل تضارب الروايات وتعدد المصادر، لم تصدر الجهات الرسمية السورية حتى الآن توضيحات تفصيلية حول حقيقة ما جرى مساء 30 ديسمبر، أو بشأن تفاصيل اللقاء مع وفد «قسد»، الأمر الذي ساهم في استمرار حالة الغموض، ليس فقط داخل سوريا، بل بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام في مختلف دول العالم.
وتبقى الأسئلة مطروحة حول حقيقة ما حدث، في انتظار رواية رسمية شاملة تضع حدًا لحالة الجدل والتكهنات التي لا تزال تسيطر على المشهد السوري.
