من الرومانسية القومية إلى الواقعية السياسية.. وحوار مع النفس.
غواص في بحر السياسة – الحلقة الخامسة( الحب جنون... وربما السياسة أيضًا عندما يكون حب الوطن هو الدافع).
أخذتني الحمية والحماسة والخوف أن أغوص في قاع بحر السياسة، وأنا أتابع ما يثار من توتر وخلافات في أعقاب الأزمة المتداولة بين الإمارات والجزائر، وفي لحظة الانفعال الأولى، وجدتني أتساءل: إلى أين نحن ذاهبون؟ وهل أصبح الخلاف العربي مشهدًا معتادًا في منطقتنا؟
ثم هدأت قليلًا.
وبعد أن استقر بي الحال بعيدًا عن موجة الانفعال، وجدتني لا أتحدث مع أحد، بل أكلم نفسي.
لم يكن جنونًا، ولكنه كان (حديث النفس)؛ حوارًا داخليًا بين الأستاذة المحللة السياسية التي تحاول أن تقرأ المشهد بعين العلم والواقعية، وبين المواطن الذي بداخلها، ذلك المواطن الذي لا تعنيه كثيرًا المصطلحات السياسية بقدر ما يعنيه سؤال بسيط جدًا:«وأنا ذنبي إيه؟!»
المواطن يدفع فاتورة الخلافات.
قد يسأل المواطن العربي البسيط: ما علاقتي أصلًا بما يحدث بين دولتين عربيتين؟
الإجابة أن السياسة لا تبقى داخل غرف السياسيين؛ فالخلافات السياسية قد تتحول إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى أسعار، والأسعار إلى حياة يومية. الأمن والطاقة والتجارة والاستثمار والسياحة وحركة رؤوس الأموال وسلاسل الإمداد وفرص العمل، كلها تتأثر بما يحدث في الإقليم بدرجات مختلفة.
ولهذا فإن المواطن الذي يقول: «وأنا ذنبي إيه؟» ليس بعيدًا عن السياسة كما يظن، بل هو في قلب نتائجها، حتى وإن لم يجلس يومًا إلى طاولة المفاوضات.
من صباح 2 أغسطس 1990 إلى دروس التاريخ.
والتاريخ العربي ليس بعيدًا عن ذاكرتنا.
فكما استيقظنا صباح 2 أغسطس 1990 على غزو العراق للكويت، وما ترتب عليه من زلزال سياسي وأمني عربي ودولي، فإن التاريخ يعلّمنا أن الأزمات العربية نادرًا ما تظل محصورة في حدود الدول التي تبدأ بينها.
وإذا صحت التفاصيل المتداولة بشأن تصاعد الخلاف بين الإمارات والجزائر، فإن المشهد يستحق التوقف، لا من باب الاصطفاف مع طرف ضد آخر، وإنما من باب التفكير في مستقبل النظام الإقليمي العربي وقدرته على احتواء خلافاته قبل أن تتسع دوائرها.
المشكلة إذن ليست في أن تختلف الدول؛ فالاختلاف في العلاقات الدولية أمر طبيعي. المشكلة في (كيفية إدارة هذا الاختلاف)، ومنع تحوله إلى قطيعة وصراع يفتحان الباب أمام مزيد من التشرذم.
الإقليمية الجديدة.. ليست وحدة عربية قديمة بثوب جديد.
وهنا أصل إلى مفهوم أراه ضروريًا في هذه اللحظة: "الإقليمية الجديدة".
قد يبدو المصطلح أكاديميًا، لكنه في جوهره بسيط، فالإقليمية الجديدة لا تعني إلغاء الدولة الوطنية، ولا تعني أن تصبح السياسات الخارجية للدول العربية متطابقة، ولا تعني العودة إلى شعارات الوحدة العربية بصورتها التقليدية.
إنها تعني النظر إلى المنطقة باعتبارها مساحة من المصالح المتشابكة؛ السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، وبناء آليات جديدة للتعاون والتنسيق وإدارة الخلافات، مع الحفاظ على سيادة كل دولة وخصوصيتها.
وهنا يجب التمييز بين "الأمن الإقليمي" و"الإقليمية الجديدة".
الأمن الإقليمي يهتم أساسًا بالتهديدات والمخاطر والتفاعلات الأمنية بين دول المنطقة، بينما الإقليمية الجديدة أوسع؛ فهي تبحث في كيفية بناء شبكة من المصالح والعلاقات والتعاون تجعل الإقليم أكثر قدرة على حماية نفسه وتحقيق مصالحه ومواجهة الأزمات.
الأمن جزء من الإقليمية الجديدة، لكنه ليس كل الإقليمية الجديدة.
من «أمجاد يا عرب أمجاد» إلى الواقعية السياسية
نحن ما زلنا نتحدث عن الوحدة العربية، والتضامن العربي، والمصير المشترك، والأخوة العربية، والأمن القومي العربي... وهي مفاهيم عظيمة في معناها، لكنها أصبحت في حاجة إلى تجديد أدواتها وآلياتها. فالكلمات وحدها لا تصنع نظامًا إقليميًا، والشعارات مهما كانت جميلة لا تمنع الحروب، ولا تدير الخلافات، ولا تصنع اقتصادًا مشتركًا، ولا تحمي الأمن القومي.
لقد انتقل العالم إلى القرن الحادي والعشرين، وتغيرت أدوات القوة. أصبحت التكنولوجيا قوة، والرقائق الإلكترونية قوة، والذكاء الاصطناعي قوة، والبيانات قوة، والاقتصاد والتحالفات والقدرة على إدارة الأزمات كلها عناصر من عناصر القوة.
فلماذا لا نعيد صياغة مفهوم الوحدة العربية بلغة يفهمها شباب القرن الحادي والعشرين؟
حديث النفس: «الإجابة الطبيعية: أحلام هند وكاميليا... لن يتركوننا في وحدة ورخاء، ومحبو الحرب والدمار لن يعجبهم أن يروا العرب متفقين وأقوياء. إذن علينا أن نغيّر أدواتنا، لا أن نكتفي بترديد أحلامنا.»
الاختلاف ليس المشكلة.
يشير د. علي الدين هلال، في سياق حديثه عن التجربة العربية، إلى أن اختلاف الدين واللغة بين العرب لم يكن بالضرورة عامل تفتيت، بل يمكن أن يكون مصدرًا لإثراء وحداتهم وتنوعهم الحضاري.
وهذه الفكرة تقودنا إلى جوهر الإقليمية الجديدة: أن يتحول الاختلاف من مصدر للصراع إلى مصدر للتنوع والتكامل.
فليس مطلوبًا أن تصبح الدول العربية متطابقة حتى تتعاون. المطلوب هو أن تعرف كل دولة أين تتقاطع مصلحتها الوطنية مع المصلحة الإقليمية، وأن تدرك أن إدارة الخلاف قد تكون أكثر فائدة من تحويله إلى صراع مفتوح.
حديث النفس: «ذاكرتي تجيبني: عنجهية، وتنافس على النفوذ، وسعي وراء أوهام الريادة الإقليمية، وفي بعض الحالات تغذية لمشاعر الحقد والتكبر بدلًا من البحث عن المصالح المشتركة. طيب وبعدين؟ هنستمر إلى ما لا نهاية؟ هنندثر تحت ركام الخلافات؟»
الآخر يغيّر أدواته.. ونحن نكرر قاموسنا.
المفارقة أن الأدوات التي تستهدف المنطقة تتغير باستمرار.
من التدخل العسكري المباشر إلى الحروب بالوكالة، ومن الضغط الاقتصادي إلى الحرب المعلوماتية، ومن الإعلام التقليدي إلى المنصات الرقمية، ومن استهداف الحدود إلى التأثير في الوعي، ومن القوة الصلبة إلى القوة الناعمة والذكاء الاصطناعي.
كل شيء يتغير.
ولهذا فإن مواجهة التحديات الجديدة لا يمكن أن تتم بعقلية قديمة.
نحن لا نحتاج إلى التخلي عن فكرة التضامن العربي، بل إلى تحويلها من شعار عاطفي إلى آليات عملية ومصالح مشتركة ومؤسسات قادرة على إدارة الخلافات.
أين شباب العرب؟
وهنا، كأستاذة جامعية، لا أستطيع أن أتجاهل الشباب.
أين أفكارهم؟ أين تحولهم الرقمي؟ أين بنوك الأفكار؟ أين الابتكار؟ أين المشاريع العربية المشتركة التي تجعل الشاب العربي شريكًا في صناعة مستقبل المنطقة؟
الشباب ليسوا فقط (المستقبل) ؛ الشباب هم (الحاضر).
وإذا أردنا إقليمًا عربيًا جديدًا، فعلينا أن نخرج من فكرة أن الشباب مجرد جمهور يستمع إلى الخطب، إلى فكرة أنهم شركاء في صناعة الأفكار والمشروعات والقرار.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر القضايا إيلامًا: "هجرة العقول".
لقد هاجرت عقول عربية كثيرة إلى الغرب، وأصبحنا أحيانًا نكتفي بالحسرة على أجيال كان يمكن أن تحمل راية مواجهة التشرذم وبناء المستقبل.
حديث النفس: «ماذا فعلنا لكي يحتفظ الوطن بعقله؟»
هنا حديث النفس لا يرد... ولكن القلب يدمي بحُرقة
«الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء».
ومن العبارات الشائعة المنسوبة إلى د. أحمد زويل:
«الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء؛ هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل!»
وسواء اتفقنا مع العبارة في كل تفاصيلها أم لا، فإن مضمونها يطرح قضية مهمة: كيف نحافظ على الموهبة عندما تظهر؟ وكيف نصنع بيئة تكافئ النجاح والابتكار بدلًا من أن تدفع أصحابها إلى الرحيل؟
فالإقليمية الجديدة لا تُبنى فقط باتفاقات بين الحكومات، وإنما تحتاج أيضًا إلى بيئة عربية جديدة للأفكار والعقول والابتكار.
مصر.. أحد محاور التوازن وإدارة الخلاف.
تستطيع مصر أن تكون أحد محاور (التوازن وإدارة الخلاف العربي)، بحكم موقعها وثقلها السياسي والحضاري وتاريخها الطويل في التعامل مع أزمات المنطقة.
مصر أم الدنيا مجتش ببلاش.
لم تأتِ مكانتها من فراغ، وإنما جاءت بعد تاريخ طويل من التعب والبذل والتضحيات والحروب دفاعًا عن استقرار الوطن، وعن استقرار محيطه العربي.
وحتى الآن تبذل مصر النفيس من أجل الحفاظ على الاستقرار، وكأن الأمر فطرة فُطر عليها المصريون؛ وكأن الدفاع عن الوطن واستقرار محيطه العربي شيء يسري في العروق.
ولهذا فإن الدور المصري لا ينبغي أن يُفهم باعتباره رغبة في الهيمنة، وإنما باعتباره دورًا في حفظ التوازن، واحتواء الخلافات، ومنع انتقالها إلى مرحلة التشرذم.
وهنا تظهر قيمة الإقليمية الجديدة؛ فبدلًا من البحث عن «من يقود العرب؟»، يصبح السؤال الأكثر واقعية:
كيف نبني تعاونًا عربيًا يحفظ للدول سيادتها، ويمنحها في الوقت نفسه قوة جماعية في مواجهة الأزمات؟
يا عرب.. أفيقوا من هذا التيه.
ربما آن الأوان أن ننتقل من الرومانسية القومية إلى الواقعية السياسية.
ليس معنى ذلك أن نتخلى عن الحلم العربي، وإنما أن نحوله من حلم جميل إلى (مشروع قابل للحياة)؛ مشروع يعترف بالاختلاف، ويدير الخلاف، ويبني المصالح، ويستثمر في الشباب، ويحافظ على العقول، ويستخدم التكنولوجيا، ويعيد تعريف القوة العربية باعتبارها قدرة جماعية على حماية المصالح، دون إلغاء سيادة الدول.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي يجب أن يخرج به المواطن من هذا المقال ليس: من المخطئ؟
وإنما:
كيف نمنع أن يصبح خلاف اليوم بداية لأزمة الغد؟
حديث النفس: «يا عرب، أفيقوا من هذا التيه، أفيقوا من هذا الشتات. النهارده الإمارات والجزائر، وبكره بقية العيلة؟ وأنتم عارفين ونايمين؟ أفيقوا، يرحمكم الله ويرحمنا.»
الحب جنون...
لكن حب الوطن ليس جنونًا.
والخوف على المنطقة ليس جنونًا.
والحلم بعالم عربي أكثر استقرارًا ليس جنونًا.
الجنون الحقيقي أن نرى التشرذم يتكرر، ثم نتصرف وكأن الأمر لا يعنينا.
وهنا تبدأ "الإقليمية الجديدة"..
وهنا يبدأ الخروج من "قاع بحر السياسة".
