قال الباحث السياسي الدكتور المعتز بالله فوده إن تداعيات ما وصفه بـ«زلزال كاراكاس» لم تتوقف عند حدود أمريكا اللاتينية، بل امتدت ارتداداته سريعًا إلى قلب طهران، مشيرًا إلى أن عملية «الاختطاف الجراحي» التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع يناير 2026 شكّلت إعلانًا غير مباشر عن نهاية عصر الحصانات السيادية.

وأوضح فوده أن الواقعة لم تكن مجرد سقوط زعيم إقليمي، بل رسالة استراتيجية موجّهة بالأساس إلى الأنظمة الراديكالية، وعلى رأسها النظام الإيراني، مؤكدًا أن دوائر القرار في طهران قرأت المشهد باعتباره مرآة محتملة لمصيرها القادم.

غليان داخلي يتجاوز المطالب المعيشية

وأشار الباحث السياسي إلى أن الاحتجاجات الجارية في إيران لم تعد «هبّة عابرة»، بل تحولت إلى عاصفة كاملة تلاقت فيها ثلاثة عوامل خطيرة في توقيت واحد، هي:

تضخم جامح تجاوز 55% وهناك أزمة جفاف تهدد محافظات بأكملها

صدمة نفسية وسياسية أحدثها سيناريو «خطف مادورو» الذي كسر هيبة الأنظمة المغلقة

وأضاف أن ما يجري في شوارع طهران وأصفهان وكرمانشاه لم يعد مجرد احتجاجات مطلبية، بل يمثل انكسارًا لجدار الخوف الأيديولوجي، حيث تحولت الشعارات من المطالبة بالإصلاح إلى الدعوة الصريحة لرحيل النظام، في مؤشر واضح على تفكك العقد الاجتماعي بين الدولة وميراث الثورة.

بارانويا استراتيجية داخل النظام

وأكد فوده أن ما سماه «العقل الاستراتيجي» في طهران يعيش حالة من البارانويا السياسية، موضحًا أن تقديرات استخباراتية داخلية باتت تنظر إلى ما حدث في فنزويلا باعتباره بروفة محتملة لسيناريو مشابه في إيران.

وأوضح أن هذا الشعور أنتج واقعين متناقضين داخل الدولة:

عسكرة المدن: حيث تحوّل الحرس الثوري من قوة عسكرية إلى شرطة مكافحة شغب منتشرة في الشوارع، ما يرهق الميزانية ويعمّق العداء الشعبي.

شلل دبلوماسي: إذ يجد النظام نفسه محاصرًا بين خيارين أحلاهما مرّ؛ التفاوض تحت التهديد بما يعنيه من انتحار سياسي، أو المواجهة المفتوحة بما تحمله من سيناريو فنزويلي محتمل.

معضلة الصمود: سؤال الباسيج

وشدد الباحث السياسي على أن مستقبل النظام الإيراني في عام 2026 يتوقف على سؤال جوهري واحد: هل ستظل قوات «الباسيج» مستعدة لإطلاق النار على أبناء بيئتها الاجتماعية؟

وأشار إلى أن النظام لا يزال يمتلك آلة قمع صلبة، لكنها مجهدة ومستهلكة، لافتًا إلى ظهور مؤشرات انشقاق محدودة في صفوف الرتب المتوسطة، في ظل تصاعد إصرار جيل شاب لا يرى مستقبلًا في دولة تعيش على حافة الصدام الدائم مع العالم.

سيناريوهات 2026: حافة الهاوية

واختتم د. المعتز بالله فوده تصريحاته بالتأكيد على أن إيران تقف أمام مسارين لا ثالث لهما خلال العام الجاري:

المسار الأول: الهروب للأمام عبر افتعال أزمة إقليمية كبرى في مضيق هرمز أو باب المندب لفرض حالة طوارئ شاملة تبرر القمع الداخلي.

المسار الثاني: التآكل الهيكلي مع اتساع الاحتجاجات ووصولها إلى قطاعات حيوية مثل النفط، بما قد يدفع جناحًا براغماتيًا داخل السلطة إلى التضحية برؤوس كبيرة للحفاظ على بقاء النظام.

وأكد في ختام حديثه أن ما تشهده إيران يمثل نقطة تحول تاريخية، مشددًا على أن «إيران ما قبل حادثة خطف مادورو ليست كما بعدها»، وأن تأثير الدومينو الذي بدأ من كاراكاس قد يجد محطته التالية في طهران.