وسط ذوبان الجليد وفتح ممرات بحرية جديدة، عادت جزيرة جرينلاند لتتصدر المشهد الدولي باعتبارها إحدى أخطر وأهم النقاط الاستراتيجية في القطب الشمالي، حيث أصبح التنافس على الموارد الطبيعية والنفوذ العسكري والسيطرة على ممرات التجارة البحرية محركًا رئيسيًا لتصاعد التوترات بين القوى الكبرى، في مشهد يعكس تحولات عميقة في موازين القوة العالمية.

مشاورات أوروبية لانتشار عسكري محتمل

و كشفت تقارير رسمية عن مشاركة فرنسا وألمانيا في مشاورات أوروبية متقدمة بشأن تعزيز الأمن في جزيرة جرينلاند، بالتنسيق الكامل مع الدنمارك التي تتمتع بالولاية على الجزيرة. وتتناول هذه المشاورات إمكانية نشر قوة أوروبية أو بعثة مشتركة تحت مظلة حلف شمال الأطلسي، بهدف دعم الاستقرار في المنطقة ومراقبة التطورات العسكرية والبحرية المتسارعة، دون الإعلان حتى الآن عن حجم القوات أو طبيعة المهام بشكل نهائي.

القلق من التحركات الروسية والتغلغل الصيني

و تأتي هذه التحركات الأوروبية في سياق تصاعد النشاط العسكري الروسي في شمال أوروبا والمحيط المتجمد الشمالي، حيث عززت موسكو وجودها عبر تحديث قواعد جوية وبحرية، وتكثيف الدوريات العسكرية، وتوسيع أسطول كاسحات الجليد لضمان تأمين مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وفي الوقت ذاته، يثير التوسع الاقتصادي الصيني المتزايد مخاوف أوروبية من تحوّل النفوذ الاقتصادي إلى حضور سياسي وعسكري طويل الأمد، لا سيما في مجالات البنية التحتية والموانئ القطبية واستغلال الموارد الطبيعية.

أدوار متباينة لفرنسا وألمانيا والدنمارك

و تلعب فرنسا دورًا محوريًا في هذه المشاورات الأوروبية، مستندة إلى خبرتها الواسعة في العمليات الخارجية، حيث يُتوقع أن تسهم بقدرات لوجستية واستخباراتية، إضافة إلى المشاركة في المناورات المشتركة. وفي المقابل، تسعى ألمانيا إلى تعزيز حضورها في الملفات الأمنية الأوروبية من خلال التركيز على الطابع الدفاعي والردعي لأي وجود عسكري محتمل. أما الدنمارك، فتتابع هذه التحركات بحذر شديد، مؤكدة أن أي انتشار عسكري مشروط بالتنسيق الكامل مع سلطات جرينلاند المحلية التي تتمتع بالحكم الذاتي، وتسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن والتنمية وحماية البيئة.

مواقف أوروبية وتحذيرات من التصعيد

و أكد الاتحاد الأوروبي التزامه الكامل باحترام السيادة الوطنية لجميع الدول، محذرًا من أي تحركات أحادية قد تهدد استقرار القطب الشمالي، ومشددًا على أن أمن المنطقة بات أولوية استراتيجية لا يمكن تجاهلها. كما عبّر البرلمان الأوروبي عن قلقه إزاء تصاعد سباق التسلح، داعيًا إلى تعزيز التعاون الأمني مع حلف الناتو لحماية البنية التحتية الحيوية ومواجهة النفوذ الروسي والصيني. وفي السياق ذاته، صدرت تصريحات متطابقة من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا تؤكد أن أي انتشار أوروبي سيكون دفاعيًا وبالتنسيق الكامل مع الدنمارك وسكان الجزيرة، في رسالة سياسية واضحة بأن جرينلاند لن تكون ساحة استغلال أحادي.

 

الدور الأمريكي وحسابات ترامب

تظل الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًا في معادلة أمن جرينلاند، حيث تحتفظ بقاعدة ثول الجوية الاستراتيجية، التي تمثل جزءًا أساسيًا من منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي. ويُعد التنسيق بين الناتو وواشنطن عنصرًا حاسمًا في أي خطة لتعزيز الأمن الأوروبي في المنطقة، خاصة في ظل التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أعادت تسليط الضوء على اهتمام الولايات المتحدة بالموارد الطبيعية والأهمية العسكرية للجزيرة.

قراءة استراتيجية للمشهد المقبل

و يرى محللون استراتيجيون أن التحرك الأوروبي، بقيادة فرنسا وألمانيا، يعكس رغبة واضحة في تعزيز استقلالية القرار الدفاعي الأوروبي، وإرسال رسالة مفادها أن أمن القطب الشمالي لم يعد ملفًا هامشيًا. ومع تسارع التغيرات المناخية وفتح ممرات بحرية جديدة، تتزايد الأهمية الاقتصادية والعسكرية للمنطقة، ما ينذر بسباق جديد على الموارد والنفوذ في أقصى شمال الكرة الأرضية. وبينما تؤكد الدول الأوروبية أن أي وجود عسكري سيكون دفاعيًا وردعيًا، يتوقع مراقبون دخول المنطقة مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي الدولي، سيكون لها تأثير مباشر على التجارة العالمية والاستثمارات ومستقبل الأمن الدولي.