في دار ام الدنيا للنشر كانت هناك تجربة رائعة لصاحبة الدار، الصحفية ولاء أبو ستيت، خامسة سياسة التقت بها وحاورتها في معرض الكتاب
بدأتِ مسيرتكِ المهنية في الصحافة، ثم اتجهتِ لاحقًا إلى تأسيس دار نشر تحمل اسم «أم الدنيا»، في وقت تشهد فيه سوق النشر المصرية ازدحامًا واضحًا وتنافسًا شديدًا. كيف بدأت هذه الرحلة؟ وما الذي دفعكِ لاتخاذ هذا القرار؟الانتقال من الصحافة إلى النشر لم يكن قرارًا مفاجئًا، بل جاء نتيجة تراكم خبرات وتجارب مهنية وشخصية. عملي الصحفي أتاح لي الاحتكاك المباشر بعالم الكتابة والإبداع، سواء من خلال التعامل اليومي مع الكُتّاب أو متابعة حركة النشر وتغطية الفعاليات الثقافية. ومع مرور الوقت، بدأت ألاحظ فجوة واضحة بين الإنتاج الثقافي الجاد وبين فرص وصوله الحقيقي إلى القارئ، خاصة بين فئة الشباب.
إلى جانب ذلك، شاركتُ في تأسيس مؤسسة تدريبية بمحافظة المنوفية، كان هدفها الأساسي تأهيل الصحفيين الشباب وتوفير فرص تدريب حقيقية لهم. هذه الخطوة جاءت بدافع تجربة شخصية صعبة، حيث واجهتُ في بداياتي تحديات كبيرة أثناء البحث عن تدريب وعمل في القاهرة، وكنت أؤمن بضرورة اختصار هذه الرحلة على من يأتون بعدي.
لكن مع الوقت، اختلفت الرؤى داخل المؤسسة، ووجدت نفسي أميل أكثر إلى مشروع يرتبط بالكتاب نفسه، لا من زاوية التغطية الصحفية فقط، بل من حيث الصناعة والتأثير والاستمرارية. من هنا بدأت فكرة تأسيس دار نشر تتشكل بشكل جدي.
هل لعبت تجربتكِ ككاتبة دورًا في هذا القرار؟
بلا شك، قبل تأسيس دار النشر، كنت قد أصدرت عددًا من الكتب، وصل إلى نحو سبعة عناوين. هذه التجربة جعلتني أتابع رحلة الكتاب منذ لحظة الفكرة وحتى وصوله إلى القارئ، بما تحمله من تحديات تتعلق بالتحرير والطباعة والتوزيع والتسويق. هذه التفاصيل صنعت لدي وعيًا مختلفًا بصناعة النشر، وأكدت لي أن الكتاب ليس مجرد سلعة، بل كيان ثقافي له دورة حياة كاملة.
كنت دائمًا مشغولة بفكرة كيف يمكن حماية الكتاب من الاستسهال أو التهميش، وكيف يمكن تقديم محتوى يحترم عقل القارئ دون أن ينفصل عن الواقع. هذا الوعي كان أحد الدوافع الأساسية لتأسيس دار نشر لها رؤية واضحة، لا تعتمد فقط على حسابات الربح والخسارة.
متى تحولت الفكرة إلى خطوة تنفيذية؟
في نهاية عام 2021، اتخذت القرار النهائي بتأسيس دار «أم الدنيا». في البداية، كان التصور أقرب إلى مكتبة إلكترونية تضم مساحة عمل ثقافية، بحيث تكون مكانًا مفتوحًا للقراءة والنقاش والتفاعل، إلى جانب إتاحة الكتب للبيع. لكن مع بدء التنفيذ، فرض الواقع العملي نفسه، وتطورت الفكرة تدريجيًا إلى دار نشر متكاملة، لها سياسات واضحة في اختيار العناوين والتعامل مع المؤلفين.
لماذا اخترتِ اسم «أم الدنيا»؟
الاسم يحمل دلالة ثقافية عميقة في الوعي المصري والعربي. «أم الدنيا» تعبير عن الجذور والتاريخ والتنوع، وليس مجرد لقب. أردت اسمًا يعكس هوية المشروع، وينطلق من مصر لكنه يخاطب القارئ العربي في كل مكان. كما أن اختيار اسم مؤنث جاء تعبيرًا عن الاحتواء والاستمرارية، وليس من منطلق جندري أو تصنيفي.إلى جانب دار النشر، أنشأتِ مكتبة.
ما الهدف من الجمع بين الدورين؟
الفكرة جاءت من ملاحظة خلل حقيقي في منظومة التوزيع، خاصة فيما يتعلق ببعض الأجناس الأدبية، وعلى رأسها الشعر. الشعر يعاني من تهميش واضح في السوق، وغالبًا ما يُنظر إليه باعتباره غير قابل للتسويق. رغم أنني لست شاعرة، فإنني عملت لسنوات طويلة في مجال صحافة الأدب، وتعاونت مع جهات معنية بالشعر، وأدركت قيمته الثقافية الكبيرة.
من هنا جاءت فكرة إنشاء مكتبة تكون رافدًا داعمًا لدار النشر، بحيث تقوم بدور الموزع إلى جانب الناشر، وتتحمل مسؤولية إيصال هذه الأعمال إلى القارئ، بدلًا من تركها حبيسة المخازن أو المعارض الموسمية.
ألا يشكل ذلك عبئًا إضافيًا على المشروع؟
هو عبء بالتأكيد، لكنه عبء نابع من قناعة. أنا أؤمن بأن النشر مسؤولية ثقافية قبل أن يكون نشاطًا تجاريًا. السوق يفرض ضغوطًا كبيرة، لكن الخضوع الكامل لمنطق الربح يفرغ المشروع من معناه. المكتبة بالنسبة لي ليست عبئًا منفصلًا، بل جزء من رؤية متكاملة لدعم الكتاب الجاد.
حصلتِ على جائزة مهمة في مجال النشر. كيف جاءت هذه التجربة؟
بعد انضمامي إلى اتحاد الناشرين المصريين، حرصت على قراءة كل اللوائح والقوانين المنظمة للعمل، ولفت انتباهي وجود جائزة تشجيعية مخصصة للناشرين الذين لم يمضِ على تأسيس دورهم أكثر من عشر سنوات. الشروط كانت واضحة، وتتعلق بعدد العناوين، والالتزام المهني، والرؤية الثقافية.
تقدمت للجائزة بعد التأكد من استيفاء هذه المعايير، ولم أكن أتوقع حجم الصدى الذي أحدثه الفوز. الجائزة لم تكن مجرد تقدير شخصي، بل حملت معها مسؤولية مضاعفة تجاه المشروع.
هل أقلقكِ الزخم المصاحب للجوائز؟
إلى حد ما، نعم. الصخب قد يكون مرهقًا، خاصة لمن يعمل في مجال يحتاج إلى هدوء وتركيز. لكنني حاولت النظر إلى الفوز باعتباره رسالة إيجابية تؤكد أن الجهد المبذول يسير في الاتجاه الصحيح.
ما رؤيتكِ لمستقبل دار «أم الدنيا» خلال السنوات المقبلة؟
أسعى إلى أن تكون دار «أم الدنيا» حاضرة في كل مكان يُقرأ فيه الكتاب العربي، وأن يكون لها تأثير حقيقي في المشهد الثقافي، ليس من حيث الكم فقط، بل من حيث القيمة. كما أطمح إلى التقدم مستقبلًا لجائزة اتحاد الناشرين العرب لأفضل ناشر عربي، باعتبارها اعترافًا بمشروع ثقافي متكامل.
هناك من يصف توجه الدار بأنه قريب من الأدب النسائي. كيف ترين هذا الطرح؟
لا أؤمن بتصنيف الإبداع على أساس النوع الاجتماعي. الأدب في جوهره فعل إنساني، والقدرة على التعبير لا ترتبط بكون الكاتب رجلًا أو امرأة. قد تهتم دار «أم الدنيا» بإبراز أصوات نسائية، لكن ذلك ينطلق من مبدأ إتاحة الفرصة والعدالة، لا من منطق الجندر.
كيف تقيّمين واقع النشر في مصر اليوم؟
واقع النشر يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وأزمات التوزيع، وتراجع معدلات القراءة. أعتقد أن الحل لا يكمن فقط في زيادة عدد دور النشر، بل في وجود سياسات ثقافية داعمة، وتشجيع القراءة، وحماية حقوق الملكية الفكرية.
في الختام، ما الرسالة التي تودين توجيهها للشباب الراغبين في دخول مجال النشر؟
أنصحهم بألا ينظروا إلى النشر باعتباره طريقًا سريعًا للربح، بل مسارًا طويلًا يحتاج إلى صبر ومعرفة وإيمان حقيقي بقيمة الثقافة. البدايات الصادقة قد تكون متعبة، لكنها قادرة على فتح آفاق أوسع وأكثر عمقًا في المستقبل.
