في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتعاظم فيه أهمية إدارة الفوائض المالية والأصول العامة، تبرز الصناديق السيادية كأحد أبرز الأدوات التي تعيد رسم ملامح القوة الاقتصادية للدول. هذه الكيانات لم تعد مجرد خزائن تحفظ العوائد، بل تحولت إلى مؤسسات إستثمارية ضخمة تتحكم في مسارات التنمية وتوازنات الأسواق العالمية، ومن هنا تأتي أهمية الكتاب الجديد «صناديق الثروة السيادية وأسرار القوة الإقتصادية» للباحثة نسمة الشاطر، الصادر عن دار المكتب العربي للنشر والتوزيع، والذي قُدم خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب ليضيف معالجة عربية متخصصة لهذا الملف الحيوي.
يستعرض الكتاب تطور مفهوم الصناديق السيادية ودورها في الاقتصاد العالمي، موضحًا كيف انتقلت من مجرد أدوات لحفظ الفوائض إلى مؤسسات استثمارية نشطة تدير محافظ متنوعة تشمل الأسهم والسندات والعقارات والبنية التحتية، بما يسهم في تقليل المخاطر وتعظيم العوائد على المدى الطويل، ويقدم نماذج دولية رائدة مثل الصندوق السيادي النرويجي الذي يُعد مثالًا في الشفافية والحوكمة، وتجربة سنغافورة عبر صندوقي «تيماسيك» و«جهاز سنغافورة للاستثمار» اللذين يعكسان نموذجًا يعتمد على الإدارة التجارية للأصول وربطها مباشرة بأهداف النمو الاقتصادي وتنويع القاعدة الإنتاجية.
ويولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بالتجربة المصرية الحديثة، حيث إتجهت الدولة إلى إنشاء صندوق مصر السيادي للإستثمار والتنمية كإطار مؤسسي حديث لإدارة الأصول العامة، وقد صاحب ذلك نقل ملكية بعض المنشآت والشركات إلى الصندوق في خطوة تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة وتعظيم العائد الاقتصادي، مع إتاحة فرص للشراكة مع القطاع الخاص في مجالات التطوير والتشغيل، كما يبرز الكتاب أهمية الإصلاحات التشريعية التي تنظم ملكية الدولة في الشركات وتعزز وضوح العلاقة بين الجهات المالكة والمديرة للأصول، بما يتسق مع الممارسات الدولية التي تؤكد أن نجاح الصناديق السيادية يرتبط بوجود إطار قانوني واضح وفصل نسبي بين الدور التنظيمي والدور الاستثماري للدولة.
ويخلص الكتاب إلى أن فعالية الصناديق السيادية لا تقاس فقط بحجم الأصول التي تديرها، بل بمدى التزامها بمبادئ الحوكمة الرشيدة وتنويع الإستثمارات وإدارة المخاطر وربط الاستراتيجيات الاستثمارية بالأهداف الإقتصادية طويلة الأجل، ومن هنا فإن التجربة المصرية الناشئة تحتاج إلى تقييم مستمر وفق هذه المعايير لضمان تحقيق أهدافها التنموية وتعزيز مكانتها في الاقتصاد العالمي.
بهذا الطرح، يقدم كتاب «صناديق الثروة السيادية وأسرار القوة الاقتصادية» مساهمة بحثية عربية ثرية، تفتح المجال أمام نقاش أوسع حول دور هذه الصناديق في بناء القوة الإقتصادية للدول، وتضع التجربة المصرية في سياق دولي مقارن قائم على التحليل العلمي والموضوعية، بعيدًا عن الطرح الإنطباعي، ليكون مرجعًا مهمًا للباحثين وصناع القرار على حد سواء.
