تصعيد عسكري وتهديدات أمريكية متبادلة
تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية تصعيدًا حادًا، بعدما صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته بشكل لافت، محذرًا إيران من اقتراب «نفاد الوقت»، ومطالبًا إياها بإبرام اتفاق فوري بشأن برنامجها النووي، وإلا ستواجه «دمارًا هائلًا».
وقال ترامب إن «أسطولًا ضخمًا يتجه نحو إيران، وهو جاهز بالكامل وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة وقوة إذا اقتضت الضرورة»، داعيًا طهران إلى «الجلوس فورًا على طاولة المفاوضات» للتوصل إلى «اتفاق عادل ومنصف خالٍ من الأسلحة النووية»، مؤكدًا أن «الوقت ينفد»، ومشيرًا إلى أنه يراقب الوضع داخل البلاد «عن كثب».
وفي السياق نفسه، أفادت تقارير بوجود تحركات عسكرية أمريكية مكثفة في الشرق الأوسط، شملت نقل طائرات حربية أمريكية وحشد أسطول عسكري ضخم، إلى جانب تعزيز أنظمة الدفاع الجوي في 19 موقعًا عسكريًا، من بينها ثماني قواعد أساسية في منطقة الخليج العربي، لدعم الحلفاء والاستعداد لأي احتمالات إيرانية.
الرد الإيراني ورفض التفاوض تحت التهديد
في المقابل، شددت طهران على رفضها الدخول في مفاوضات «تحت التهديد». وأكدت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية أن بلادها لا تسعى للحرب، لكنها مستعدة للدفاع عن دولتها وشعبها.
وصرّح مسؤولون وقادة عسكريون إيرانيون بأن أي مغامرة عسكرية أمريكية ستجلب لواشنطن «تكاليف باهظة»، وأن الرد الإيراني على أي اعتداء سيكون «فوريًا وغير مسبوق»، و«قاسيًا وشاملًا». كما أكد وزير الخارجية الإيراني أن أي مفاوضات يجب أن تتم بعد التراجع عن لغة التهديد.
من جانبه، حذّر علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني، من أن «لا وجود لما يُسمى ضربة محدودة»، مؤكدًا أن أي عمل عسكري سيُعتبر «شرارة حرب» وسيقابل برد «فوري وشامل».
تصريحات أمريكية حول الوضع الداخلي الإيراني
وفي تطور متصل، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن إيران أصبحت «أضعف من أي وقت مضى»، مرجحًا عودة موجة الاحتجاجات داخل البلاد. وأضاف، خلال جلسة أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، أن النظام الإيراني «يفتقر إلى القدرة على تلبية المطالب الأساسية للمتظاهرين».
وفي المقابل، أعلن مسؤول أمريكي أن واشنطن مستعدة للتعاون إذا رغبت إيران في التواصل معها، بالتوازي مع مواصلة الضغط عليها بسبب قمع المحتجين.
احتجاجات واسعة وقمع داخلي
داخليًا، تشهد إيران موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ أواخر ديسمبر 2025، بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وخلال اليومين الماضيين، تحدثت تقارير عن مواجهات عنيفة وقمع شديد للمتظاهرين من جانب السلطات.
وفي هذا السياق، تواصل الحكومة الإيرانية تعطيل خدمة الإنترنت وخطوط الاتصال في بعض المناطق، في محاولة للسيطرة على الاحتجاجات ومنع انتشار أخبارها، وهو ما تسبب في خسائر اقتصادية يومية تُقدَّر بملايين الدولارات.
حصيلة بشرية غامضة وتعتيم رسمي
ورغم صعوبة الحصول على أرقام دقيقة نتيجة التعتيم الإعلامي، تتحدث منظمات حقوقية عن سقوط آلاف القتلى والمعتقلين خلال الأسابيع الأخيرة، مع تداول أنباء عن وجود «مقابر جماعية» لإخفاء الأعداد الحقيقية للضحايا.
انهيار اقتصادي متسارع
اقتصاديًا، واصل الريال الإيراني هبوطه إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، حيث تجاوز الدولار حاجز 150 ألف تومان في السوق الحرة، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة وصلت إلى 60%.
وفي المقابل، شهدت الأسواق إقبالًا كبيرًا على شراء الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، وسط مخاوف متزايدة من احتمال توجيه ضربة عسكرية.
تحركات مصرية مكثفة لاحتواء التصعيد
في هذا الإطار، كثّفت مصر تحركاتها الدبلوماسية خلال الـ48 ساعة الأخيرة، في محاولة لمنع انفجار الأوضاع بين واشنطن وطهران. وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، يوم الأربعاء 28 يناير، اتصالات هاتفية منفصلة مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، في إطار جهود خفض حدة التصعيد ومنع المنطقة من الدخول في «دوامات جديدة من عدم الاستقرار».
وتركزت الاتصالات المصرية على ضرورة تهيئة الأجواء للعودة إلى المسار الدبلوماسي، والتوصل إلى حل شامل لملف البرنامج النووي الإيراني بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة.
وبالتوازي مع ذلك، تتابع القاهرة ملف أربعة مواطنين مصريين محتجزين في إيران، كانوا يعملون على متن مركب «ريم الخليج»، وتم احتجازهم في ميناء بندر عباس على خلفية اتهامات بتهريب الوقود. وأكدت وزارة الخارجية المصرية أنها تتابع أوضاعهم بشكل مستمر، وتوفر لهم الدعم القانوني والقنصلي اللازم لضمان عودتهم إلى البلاد.
وتصف تقارير دولية الدور المصري الحالي بأنه بمثابة «صمام أمان» إقليمي، في ظل امتلاك القاهرة قنوات اتصال مفتوحة وموثوقة مع كل من طهران وواشنطن، وسعيها لاستثمار هذا الدور لمنع وقوع صدام كارثي في المنطقة.
تحركات إقليمية ودولية لاحتواء التصعيد
على الصعيد الدولي، حذّرت الصين من أي «مغامرة عسكرية» ضد إيران، معتبرة أن أي تصعيد قد يدفع المنطقة إلى «المجهول».
وفي أوروبا، ناقشت بروكسل فرض عقوبات جديدة على إيران على خلفية قمع الاحتجاجات الداخلية.
إقليميًا، أكد ولي العهد السعودي للرئيس الإيراني أن المملكة لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي عمل عسكري ضد إيران. كما أجرى وزيرا الخارجية التركي والإيراني اتصالًا هاتفيًا بحثا خلاله جهود تهدئة التوترات الإقليمية وخفض التصعيد.
جاهزية عسكرية وتحذيرات متبادلة
وفي ختام التصريحات، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن القوات الإيرانية «في حالة جاهزية كاملة»، مجددًا ترحيب بلاده بالتوصل إلى اتفاق نووي «عادل ومنصف» دون ضغوط أو إكراه.
كما حذّر نائب قائد الجيش الإيراني، حبيب سياري، من اعتماد واشنطن على «دبلوماسية البوارج الحربية»، مؤكدًا أن إيران ستلحق «أضرارًا بالغة» بالأسطول الأميركي في حال اندلاع أي مواجهة.
