قراءة تحليلية شاملة لإحتمالات التوصل إلى إتفاق "أمريكي - إيراني" وإنعكاساته على الشرق الأوسط

في ضوء التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الباكستاني بشأن التوصل إلى إتفاق تاريخي بين الولايات المتحدة وإيران وإقتراب الإعلان عن صيغته النهائية

قال اللواء دكتور محمد الدسوقي، الخبير في الأمن القومي، في تصريحات خاصة لــ"خمسة سياسة "، أن المنطقة تقف أمام لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل العديد من التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

الإتفاق فرصة مهمة لخفض مستوى التوتر الإقليمي 

وأضاف "الدسوقي"، أنه من الناحية النظرية، قد يمثل هذا الإتفاق فرصة مهمة لخفض مستوى التوتر الإقليمي، الذي ظل يهيمن على المنطقة طوال السنوات الماضية، خاصة إذا نجح في معالجة الملفات الخلافية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة الدولية ومستقبل العلاقات الأمريكية – الإيرانية، منوهاً "يمكن أن يساهم في تقليل إحتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، ويعزز إستقرار أسواق الطاقة العالمية، ويحد من المخاطر التي تهدد حركة التجارة الدولية عبر مضيق "هرمز" والخليج العربي".

الإتفاق قد يفتح الباب أمام تخفيف العقوبات المفروضة على إيران

أما فيما يتعلق بالمجال الاقتصادي، قال "الدسوقي"، أن الإتفاق قد يفتح الباب أمام تخفيف العقوبات المفروضة على إيران بصورة تدريجية، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على حركة التجارة والإستثمارات الإقليمية، ويساهم في تخفيف الضغوط التي تعرض لها الاقتصاد العالمي نتيجة حالة عدم اليقين التي صاحبت التوترات المتصاعدة في المنطقة.

الاتفاق المحتمل لا ينبغي النظر إليه بإعتباره نهاية للصراع بل يعتبر مرحلة إنتقالية

وأضاف خبير الأمن القومي، أن قراءة المشهد بصورة أكثر عمقاً لطبيعة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران تشير إلى أن أي إتفاق محتمل لا ينبغي النظر إليه بإعتباره نهاية للصراع بقدر ما قد يمثل مرحلة إنتقالية أو هدنة مؤقتة بين طرفين، مؤكدًا أنه مازال هنك خلافات إستراتيجية عميقة تتجاوز الملف النووي إلى قضايا النفوذ الإقليمي وتوازنات القوة ومستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط.

الإتفاق المحتمل قد يكون بمثابة "أستراحة إستراتيجية"

وفي هذا السياق أكد "الدسوقي"٠ أن الإتفاق المحتمل قد يكون بمثابة "أستراحة إستراتيجية"، تتيح لكل الأطراف إعادة ترتيب أوراقه وإستعادة قدراته، ومعالجة الخسائر التي تكبدها خلال جولات التصعيد السابقة، منوهاً أن الولايات المتحدة قد تستفيد من التهدئة لإعادة توزيع مواردها العسكرية والإستراتيجية على مسارح دولية أخرى أكثر أولوية، بينما قد تسعى إيران إلى إستثمار  أي إنفراجة سياسية أو اقتصادية لإعادة بناء قدراتها وتعزيز موقعها الإقليمي.

محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من المنافسة والصراع

وتابع "الدسوقي"، من ثم، لا يمكن إستبعاد أن تكون هذه المرحلة مجرد محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من المنافسة والصراع، ربما تكون أكثر شراسة وتعقيداً من سابقاتها، خاصة إذا فشلت الأطراف في معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، أو إذا ظهرت متغيرات جديدة تعيد إنتاج حالة التصعيد.

إنعكاسات الإتفاق على الولايات المتحدة وإيران ومختلف دول الشرق الأوسط 

وأستكمل خبير الأمن القومي، حديثه قائلا: لن تقتصر إنعكاسات الإتفاق على الولايات المتحدة وإيران وحدهما، بل ستمتد لمختلف دول الشرق الأوسط التي ستجد نفسها أمام معادلات جديدة للقوة والنفوذ، وقد يدفع ذلك العديد من القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم تحالفاتها وسياساتها الدفاعية والأمنية، تحسباً لأي تغيرات مستقبلية في موازين القوى الإقليمية.

إسرائيل من أكثر الأطراف تحفظاً تجاه أي إتفاق لا يحقق بصورة كاملة أهدافها الأمنية والإستراتيجية

وتابع "الدسوقي"، تبدو إسرائيل من أكثر الأطراف تحفظاً تجاه أي إتفاق لا يحقق - بصورة كاملة - أهدافها الأمنية والإستراتيجية، فالرؤية الإسرائيلية التقليدية تنطلق من إعتبار إيران التهديد الإستراتيجي الرئيسي للأمن القومي الإسرائيلي، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو القدرات الصاروخية أو النفوذ الإقليمي الإيراني.

إنعكاس هذا الاتفاق علي إسرائيل ومستقبل مصالحها 

من هذا المنطلق، أكد "الدسوقي"،  أن أي إتفاق يسمح لإيران بالحفاظ على قدر من قدراتها الإستراتيجية، أو يؤدي إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها، قد يُنظر إليه داخل إسرائيل بإعتباره تطوراً لا يتوافق مع المصالح الأمنية الإسرائيلية طويلة المدى، ومن المتوقع أن تبذل إسرائيل جهوداً حثيثة ومكثفة للتأثير على مسار الإتفاق أو الحد من نتائجه أو الدفع نحو تشديد شروطه.

الضغوط التي ستمارس عبر دوائر صنع القرار الأمريكية

وأشار "الدسوقي"، إلي أنه لا يستبعد ممارسة ضغوط عبر دوائر صنع القرار الأمريكية أو من خلال التحركات الدبلوماسية الدولية والإقليمية بهدف ضمان عدم تحول الإتفاق إلى أداة تمنح إيران مساحة أوسع للحركة والنفوذ في المنطقة.

مستقبل الاتفاق وقدوته الفعلية  على معالجة جذور الصراع 

وأكد "الدسوقي"، أن مستقبل هذا الإتفاق لن يتوقف فقط على توقيعه أو الإعلان عنه، وإنما على قدرته الفعلية على معالجة جذور الصراع وتوفير ضمانات مقبولة لجميع الأطراف المعنية، أما إذا أقتصر على إدارة الأزمة وتأجيلها دون حل أسبابها الأساسية، فقد يتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة تسبق مرحلة جديدة من التنافس والصراع الإقليمي.

التحديات الحقيقية أمام منطقة الشرق الأوسط 

وأشار خبير الأمن القومي، إلي أن التحدي الحقيقي أمام المنطقة هو ما إذا كانت هذه الفرصة ستقود إلى بناء نظام إقليمي أكثر إستقراراً وتوازناً، أم أنها ستكون مجرد هدنة مؤقتة في مسار صراع مفتوح لم تُحسم أسبابه وجذوره الإستراتيجية بعد، وفي هذا السياق، تبرز أهمية العمل العربي المشترك بإعتباره أحد المتغيرات الحاسمة في معادلة موازين القوى الإقليمية خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ضوء الدروس المستفادة من سنوات طويلة من الصراعات والتنافسات الدولية والإقليمية التي كشفت حجم التكلفة التي تتحملها الدول العربية عندما تتحول إلى ساحات للتنافس بين القوى الخارجية.

تعزيز التنسيق العربي السياسي والأمني والاقتصادي من شأنه أن يرفع من قدرة الدول العربية على حماية مصالحها

وتابع "الدسوقي"، كما أثبتت التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط أن غياب الرؤية العربية الموحدة يفتح المجال أمام القوى الإقليمية والدولية لإعادة تشكيل التوازنات وفقاً لمصالحها الخاصة، في حين أن تعزيز التنسيق العربي السياسي والأمني والاقتصادي من شأنه أن يرفع من قدرة الدول العربية على حماية مصالحها الجماعية والتأثير في مسارات الأزمات الإقليمية بدلا ًمن الإكتفاء بالتأثر بنتائجها.

مستقبل المنطقة لن يتوقف فقط على طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران

واختتم خبير الأمن القومي تصريحاته، مؤكدًا أن مستقبل المنطقة لن يتوقف فقط على طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران أو على حجم الدور الإسرائيلي في المرحلة المقبلة، وإنما سيتحدد أيضاً بمدى قدرة الدول العربية على إستثمار دروس المرحلة الراهنة لبناء مقاربة عربية أكثر تماسكاً وفاعلية، تمكنها من التحول من مجرد ساحة لتوازنات القوى إلى طرف مؤثر في صياغة تلك التوازنات وتوجيه مساراتها بما يخدم الأمن والإستقرار والتنمية في المنطقة العربية.

نوصي بقراءة: اللواء دكتور محمد دسوقي لــ"خمسة سياسة": الولايات المتحدة تلجئ للتفاوض تحت ضغط القوة.. وإيران تواجه معادلة ردع مركبة

نوصي بقراءة: ترمب يعلن التوصل لاتفاق مع إيران.. وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري