لم تكن الساعات التي أعقبت استهداف سفينتين بميناء دمياط بطائرة مسيّرة، مساء الأربعاء الماضي، ساعات عادية في تاريخ الأمن القومي المصري. فللمرة الأولى منذ سنوات، تجد الدولة المصرية نفسها في قلب حادثة تصيب منشأة استراتيجية على أراضيها مباشرة، دون أن تعرف - حتى كتابة هذه السطور - الجهة التي أطلقت الضربة، ولا الجهة التي أُريد توجيه الرسالة إليها. وبين نفي إيراني وإسرائيلي وحوثي متتابع، وتحقيقات مصرية لا تزال جارية، يبرز سؤال أعمق من مجرد تحديد الفاعل: ماذا يعني أن يتحول أحد أهم موانئ مصر على البحر المتوسط إلى ساحة لرسائل التصعيد الإقليمي؟
الهجوم على دمياط.. البداية التي كشفت الحقيقة
أعلنت وزارة البترول المصرية، في 29 يوليو الماضي، نشوب حريق في سفينتين للتغويز وتخزين الغاز داخل ميناء دمياط، مؤكدة عدم وقوع إصابات بشرية. غير أن التحقيقات الأولية التي أجراها مجلس الوزراء المصري كشفت أن الحريق لم يكن عرضياً، بل نتج عن استهداف السفينتين بطائرة مسيّرة. وأفادت شركة "أمبري" المتخصصة في الأمن البحري بأن إحدى الناقلتين المستهدفتين مملوكة لشركة أمريكية، وأنها أُصيبت مباشرة بواسطة مسيّرة واحدة على الأقل.
الموقع الذي وقع فيه الحادث ليس عشوائياً؛ فميناء دمياط يقع بين مينائي بورسعيد والإسكندرية، ويحتضن واحدة من محطتين وحيدتين لإسالة الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، بدأت تشغيلها التجاري مطلع عام 2005 لتصبح آنذاك أكبر محطة إسالة في العالم بخط إنتاج واحد. ورغم أن المحطة مرت بسنوات من التوقف الجزئي، فقد عادت مؤخراً لتلعب دوراً محورياً في تصدير الغاز المصري، وتحويل غاز شرق المتوسط - بما في ذلك الغاز القبرصي - إلى شحنات مسالة قابلة للتصدير نحو الأسواق الأوروبية المتعطشة للطاقة.
بعبارة أخرى: من ضرب دمياط، ضرب عقدة من عقد أمن الطاقة الإقليمي، لا مجرد رصيف بحري.
لغز الفاعل.. ثلاثة أطراف تتبرأ في وقت واحد
المفارقة اللافتة في هذا الحادث أن الأطراف الثلاثة التي توجه إليها أصابع الاتهام تقليدياً في أي عملية عسكرية بالمنطقة - إيران، وإسرائيل، وجماعة الحوثي في اليمن - نفت جميعها مسؤوليتها. الجيش الإسرائيلي نفى، وفق تقارير إعلامية، صحة أي ادعاءات بضلوعه في الحادث. جماعة الحوثي نفت هي الأخرى عبر موقعها الرسمي وقوفها وراء الاستهداف. أما إيران، فلم تُصدر نفياً أو اعترافاً رسمياً حاسماً، لكن مصدرين إيرانيين تحدثا لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية بأن الهجوم نُفذ بطائرة مسيّرة، ووُصف بأنه رسالة مفادها أن طهران قادرة - في حال التصعيد - على إحداث اضطراب أعمق في الشحن العالمي وإمدادات الطاقة، دون أن يحدد المصدران ما إذا كانت إيران نفّذت الضربة مباشرة أو عبر أحد أذرعها الإقليمية.
هذا الغموض المتعمد - أو ما يمكن تسميته بـ"التبني بالتلميح لا بالتصريح" - يضع القاهرة في موقف بالغ الحساسية: كيف تحاسب جهة لم تعلن مسؤوليتها رسمياً، بينما تتلقى في الوقت ذاته رسائل غير مباشرة تُفهم كتحذير؟
القاهرة تدير الأزمة.. وتختار لغة الحذر
في مؤتمر صحفي عقده مساء الخميس بمقر الحكومة، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الأجهزة الأمنية المصرية تواصل جهودها المكثفة لتحديد مصدر الطائرة المسيّرة، مشدداً على أنه حتى تلك اللحظة لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها رسمياً عن الحادث. ووصف الطريقة التي تعاملت بها الدولة مع الأزمة بأنها "نموذج لإدارة أزمة من الدرجة الأولى"، في إشارة إلى مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والفنية.
من جانبه، اختار الرئيس عبد الفتاح السيسي لهجة دبلوماسية حذرة، داعياً إلى ضبط النفس ووقف التصعيد الإقليمي، وهو خطاب يعكس حرص القاهرة على عدم الانجرار إلى اتهام مباشر قد يفتح جبهة صراع جديدة، في وقت تحرص فيه مصر على الحفاظ على علاقاتها مع كل الأطراف الإقليمية دون استثناء.
وقد توجه وزير النقل كامل الوزير شخصياً إلى ميناء دمياط، بتكليف من الرئيس السيسي، لتقديم الشكر لأطقم القاطرات البحرية التي تعاملت مع الحادث، في رسالة رمزية أرادت الدولة من خلالها إبراز كفاءة الاستجابة المصرية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي على حد سواء.
ردود الفعل الدولية.. تضامن حذر وتباين في اللهجة
لم يمر الحادث دون تفاعل دولي واسع. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصل بالرئيس السيسي للاستفسار عن تطورات الحادث، مؤكداً تضامن باريس مع القاهرة حكومة وشعباً. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار، خلال مناسبة في البيت الأبيض، إلى أنه أُطلع على ما جرى في مصر، وهو تصريح عابر لكنه يكشف أن الحادث وصل إلى طاولة صناع القرار في واشنطن.
أما وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، فاختار لهجة مغايرة تماماً، إذ نشر عبر حسابه على منصة "إكس" أن مصر "شريك وصديق مهم في المنطقة"، وأن أمنها "يحظى بأعلى درجات الأولوية" لدى طهران، محذراً في الوقت ذاته من "مؤامرات إسرائيلية" ودعوة الجميع لليقظة تجاه "عمليات العلم الزائف" التي تهدف - على حد تعبيره - إلى تقويض السلام الإقليمي. هذا التصريح، وإن حمل طابعاً تضامنياً في ظاهره، إلا أنه في جوهره محاولة إيرانية لتوجيه أصابع الاتهام نحو إسرائيل دون دليل معلن، وهو ما يزيد من تعقيد قراءة المشهد.
في المقابل، عبّر علاء مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، عن موقف أكثر تشدداً عبر منصة "إكس"، واصفاً الهجوم بأنه "تصعيد خطير" يمسّ السيادة المصرية، ومطالباً بأن تكشف التحقيقات ما إذا كانت إيران وراءه بشكل مباشر أو عبر أحد أذرعها الإقليمية، في تلميح إلى احتمال تورط عناصر مرتبطة بحزب الله انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.
أبعد من الحادث.. لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟
الحادث، مهما كانت هويته النهائية، يكشف عن معطى استراتيجي لا يمكن تجاهله: مصر لم تعد بمنأى عن ساحة المواجهة الإقليمية المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً فيها. فموقع دمياط الجغرافي، ودوره في تصدير الغاز إلى أوروبا، يجعله هدفاً ذا قيمة رمزية عالية لأي طرف يريد إيصال رسالة تتعلق بقدرته على التأثير في أمن الطاقة العالمي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الدول الكبرى.
كما يطرح الحادث تساؤلات جدية حول جاهزية البنية التحتية الحيوية المصرية لمواجهة تهديدات المسيّرات، التي أصبحت السلاح الأثير في حروب المنطقة غير المعلنة منذ سنوات، من البحر الأحمر إلى الخليج. وإذا ثبت تورط طرف إقليمي بعينه، فإن ذلك سيفرض على القاهرة إعادة تقييم منظومة حماية موانئها ومنشآتها الطاقوية على امتداد الساحل الشمالي، وربما إعادة النظر في بعض المعادلات الدبلوماسية القائمة مع أطراف الصراع الإقليمي.
رسالة لم تُوجَّه إلى مصر وحدها
ما جرى في ميناء دمياط ليس مجرد حادث أمني عابر ينتهي بانتهاء التحقيقات فيه، بل هو مؤشر على أن الصراعات غير المعلنة في المنطقة باتت تجد طريقها إلى مساحات كانت تُعتبر حتى وقت قريب بمنأى عن نيران الآخرين. مصر، التي اختارت حتى الآن لغة الحذر الدبلوماسي وضبط النفس، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحمي سيادتها ومنشآتها الاستراتيجية دون أن تنجر إلى صراع لم تختره، وكيف تُبقي على علاقاتها المتوازنة مع أطراف إقليمية متصارعة في آن واحد؟ الإجابة عن هذا السؤال، أكثر من نتيجة التحقيقات نفسها، هي ما سيحدد شكل الدور المصري في المرحلة المقبلة من هذا الصراع الإقليمي المتمدد.
