لم تعد وزارة الشباب والرياضة المصرية تنظر إلى مراكز الشباب كمجرد ملاعب لممارسة كرة القدم، بل أصبحت تعاملها كـ "مؤسسات أمن قومي ناعم".. في القرى النائية والمناطق الحدودية مثل شمال سيناء ومثلث حلايب وشلاتين، تحولت هذه المراكز إلى منصات سياسية واجتماعية تهدف إلى تحصين الهوية الوطنية، ومواجهة محاولات الاستقطاب الفكري التي تمارسها الجماعات المتطرفة مستغلةً الفراغ لدى الشباب.

وتدرك الدولة أن "الفراغ" هو البيئة الخصبة التي ينمو فيها التطرف، لذا اعتمدت استراتيجية الوزارة على مبدأ الاستيعاب الشامل، في مناطق مثل "الشيخ زويد" و"رفح" و"العريش"، لم يكن افتتاح مركز شباب مجرد حدث رياضي، بل كان رسالة سياسية مفادها "الدولة هنا".. الرياضة في هذه المناطق تعمل كمفرغ للطاقات العدوانية، وتحولها إلى تنافس شريف تحت مظلة القانون والقواعد المنظمة، مما يعيد صياغة علاقة الشاب بالدولة من علاقة "تجاهل" إلى "احتواء".

وعانى الشباب لعقود من "التهميش الجغرافي".. جاءت مبادرات مثل "أولمبياد المحافظات الحدودية" لتكسر هذه العزلة، هذا النشاط ليس رياضياً بحتًا، بل هو عملية "دمج سياسي"؛ فعندما يسافر شاب من شلاتين لينافس في القاهرة أو الإسكندرية، ويختلط بأقرانه من مختلف المحافظات، تذوب النعرات الانفصالية أو الأفكار المتطرفة، وتتشكل هوية وطنية موحدة. الرياضة هنا هي الجسر الذي يربط "الأطراف" بـ "المركز".

لم تكتفِ الوزارة بالنشاط البدني، بل دمجت برامج التوعية السياسية داخل مراكز الشباب.. برنامج مثل "تصدوا معنا" لمواجهة الشائعات، و"نماذج محاكاة الدولة المصرية"، يتم تنفيذها داخل أروقة هذه المراكز، الهدف هو تحويل الشاب من "متلقٍ سلبي" للأخبار الكاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى "عنصر واعي" يدرك حجم التحديات التي تواجه الدولة، فوجود الشاب داخل مركز الشباب لساعات طويلة يحميه من الوقوع فريسة للمدربين الفكريين للجماعات الإرهابية الذين ينشطون في المناطق التي تغيب عنها مؤسسات الدولة.

من خلال المبادرة الرئاسية "حياة كريمة"، تم تطوير المئات من مراكز الشباب في أبعد القرى المصرية، هذا التطوير ليس مجرد "بناء وجدران"، بل هو استثمار سياسي بعيد المدى، فحين يجد الشاب في قريته مركزًا مجهزًا بصالة رياضية، ومكتبة، وإنترنت، ومسرح، فإنه يشعر بالرضا تجاه الدولة، مما يقلل من حدة السخط الاجتماعي التي تستغلها الجماعات المتطرفة لتجنيد الأتباع.