يحظى الكويت خلال شهر رمضان المبارك بمشهد استثنائي تتجسد فيه أسمى معاني التلاحم والتراحم، حيث تتزين المدن وتفيض المساجد بالمصلين، وتغمر الأجواء روحانية خاصة تنشر السكينة في النفوس. ومع الإعلان الرسمي عن ثبوت رؤية الهلال، تبدأ مظاهر الفرح في الظهور، وتكتسي الشوارع بالفوانيس والزينة الرمضانية، في صورة احتفالية تعبّر عن عمق ارتباط المجتمع الكويتي بالشهر الفضيل وخصوصية حضوره في الوجدان الشعبي.

رمضان الكويت قديمًا… بساطة الحياة ونكهة لا تُنسى

يحمل رمضان في الكويت، خصوصًا في الماضي، طابعًا خاصًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة الكثيرين. ويُرجع البعض هذه الخصوصية إلى بساطة نمط الحياة آنذاك، وقوة الروابط الاجتماعية التي جمعت أبناء المجتمع في إطار من الألفة والتكافل، حيث كانت البيوت متقاربة داخل السور الذي أحاط بالمنازل لحمايتها، ما عزز روح الجيرة ورسّخ معاني التعاون والتراحم بين الجميع.

استعدادات مبكرة تبدأ مع شهر شعبان

لم تكن التحضيرات الرمضانية تقتصر على أيام معدودة قبل قدوم الشهر، بل كانت تبدأ مع حلول شهر شعبان، حين تشرع الأسر في تجهيز احتياجاتها الغذائية التي تكفي طوال الشهر الكريم. وتصدّرت التمور، التي كانت تُجلب من البصرة، قائمة هذه المستلزمات، إلى جانب الأرز المستورد من الهند.

ومع منتصف شعبان، وتحديدًا في الخامس عشر منه، تبدأ طقوس “دق الهريس والجريش”، حيث تجتمع النساء والأطفال في أجواء احتفالية تمتد حتى ساعات الفجر الأولى، في مشهد يعكس روح المشاركة الجماعية والبهجة التي تسبق استقبال رمضان، ويجسد عمق العادات المتوارثة في المجتمع الكويتي.

تجهيز الدواوين والقدور لولائم الإفطار

ومن أبرز مظاهر الاستعداد المبكر، الاهتمام بترميم الدواوين وتجهيزها لاستقبال الضيوف، إلى جانب نقل الأواني والقدور الكبيرة على ظهور الجمال من مخازن البيوت الكبيرة إلى سوق الصفافير، المتخصص في تلميع الأواني المعدنية. وتأتي هذه الخطوة ضمن التحضيرات لطبخ ولائم الإفطار التي كانت تُوزع في الأسواق والدواوين، وتُقدم للفقراء وبيوت الوقف، في صورة واضحة للتكافل الاجتماعي المتجذر في المجتمع الكويتي.

البيوت والأسواق… استعداد شامل لاستقبال الشهر الفضيل

قبيل حلول شهر رمضان، تحرص الأسر الكويتية على تنظيف المنازل بعناية وتجهيزها، وتزيينها بالفوانيس والزينة الرمضانية التي تضفي أجواء من الفرح والاحتفاء. كما يتم شراء مختلف المواد الغذائية اللازمة لإعداد وجبات الإفطار والسحور.

وتشهد الأسواق الكويتية خلال هذه الفترة نشاطًا ملحوظًا، حيث تنتشر المنتجات الرمضانية مثل التمور والمكسرات والحلويات التقليدية التي تشكل جزءًا أساسيًا من المائدة الكويتية، في مشهد يعكس حيوية الحركة التجارية وارتباطها بالموسم الرمضاني.

موائد الإفطار وصلاة التراويح… روحانية تتجدد كل ليلة

مع أذان المغرب، تجتمع الأسر حول موائد الإفطار التي تزخر بأشهى الأطباق التقليدية، مثل الهريس، والتشريب، والمجبوس، واللقيمات، في أجواء يغلب عليها الطابع الأسري والحميمي.

وعقب الإفطار، يتوجه عدد كبير من المصلين إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، التي تُعد من أبرز الشعائر الدينية المرتبطة بشهر رمضان، وتضفي على الأجواء مزيدًا من الخشوع والسكينة، لتتحول الليالي الرمضانية إلى مساحات عامرة بالإيمان والتقارب الروحي.

الديوانيات الرمضانية… قلب الحياة الاجتماعية في الكويت

تُشكل الديوانيات أحد أهم ملامح الحياة الاجتماعية في الكويت، وتتضاعف أهميتها خلال شهر رمضان المبارك. إذ تستقبل الديوانيات الرمضانية أعدادًا كبيرة من الزوار لتبادل الأحاديث، والمشاركة في المسابقات الرمضانية، وتناول وجبات السحور في أجواء ودية تعزز أواصر المحبة.

وتمثل هذه الديوانيات مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الآراء والأفكار، كما تسهم في ترسيخ قيم الألفة والترابط التي يتميز بها المجتمع الكويتي خلال الشهر الفضيل، لتبقى شاهدًا حيًا على أصالة العادات وعمق الروابط الاجتماعية التي تميز رمضان في الكويت.