في ظل الصراعات التاريخية والتحديات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية، برزت أسماء نسائية لعبت أدواراً بارزة في الحركات الوطنية ومسارات التغيير الاجتماعي. فقد شاركت نساء عربيات في محطات مفصلية أعادت تشكيل مجتمعات وسياسات، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي، وساهمن في معارك التحرر والاستقلال، كما كان لهن دور محوري في الدفاع عن حقوق المرأة.

ومع حلول شهر مارس ، الذي يُعرف عالمياً بـ"شهر المرأة" تعود إلى الواجهة قصص نساء عربيات رائدات تركن بصمة واضحة في تاريخ النضال من أجل العدالة والتحرر.
وفي هذا التقرير، نستعرض مسيرة عدد من الشخصيات النسائية العربية التي تحولت إلى رموز للنضال الوطني والاجتماعي، من الجزائر إلى فلسطين والكويت والأردن.

مريم بلميهوب زرداني.. متمردة على الاستعمار والظلم

لم تكن حياة مريم بلميهوب زرداني مجرد مسيرة مهنية تقليدية، بل كانت رحلة طويلة من النضال من أجل الاستقلال والعدالة وحقوق المرأة.
وُلدت في الجزائر العاصمة عام 1935، ونشأت في بيئة مشبعة بروح المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي. وفي سن السابعة عشرة فقط، انخرطت في العمل النضالي ضد الاستعمار، لتصبح جزءاً من الحركة الوطنية الجزائرية.

التحقت بصفوف الثورة التحريرية عام 1955، وشاركت مع الطلبة الجزائريين في تنظيم الإضراب التاريخي للطلبة في 19 مايو 1956. وتشير الإذاعة الرسمية الجزائرية إلى أنها استبدلت مقاعد الدراسة بجبهات القتال ضمن صفوف جيش التحرير الوطني، حيث أدت دورها كممرضة في خدمة المقاتلين.
ويقول الباحث في التاريخ الجزائري منتصر أوبترون إن نشاط زرداني تركز في الولاية التاريخية الرابعة، إحدى الولايات السبع التي أنشأها قادة الثورة الجزائرية، مشيراً إلى أنها لم تكن ممرضة في الأصل لكنها تعلمت التمريض من زميلاتها بدافع وطني تحرري.

وقد نشأت زرداني في أسرة مناضلة، الأمر الذي جعلها – بحسب أوبترون – "متمردة على الاستعمار والظلم".
لاحقاً ألقت السلطات الفرنسية القبض عليها وحكمت عليها بالسجن لمدة خمس سنوات. وبعد استقلال الجزائر، انتُخبت عضواً في المجلس التأسيسي، لكنها انسحبت لاحقاً من العمل السياسي لإكمال دراستها في مجال الحقوق.
وأصبحت زرداني واحدة من أوائل الجزائريات اللواتي انضممن إلى نقابة المحامين في الجزائر العاصمة، لتواصل نضالها من موقع جديد عبر الدفاع القانوني عن الحقوق.
ولم يقتصر دورها على النضال ضد الاستعمار، بل كانت أيضاً من أبرز القيادات النسوية في الجزائر، حيث تصدت لقانون الأسرة الجزائري الذي اعتبره ناشطون مجحفاً بحق النساء، وساهمت في الدفع نحو تعديلات قانونية عززت حقوق المرأة.
وفي عام 2003، عُينت خبيرة في لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التمييز ضد المرأة، لتصبح إحدى الشخصيات العربية المؤثرة في مجال الدفاع عن حقوق النساء على المستوى الدولي.
ويرى الباحثون أن مسيرتها تمثل نموذجاً للنضال المتكامل، رغم ما يعتبرونه تقصيراً في تسليط الضوء على تاريخها بما يكفي لإلهام الأجيال الجديدة.

زليخة الشهابي.. الجمع بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي

تعد زليخة الشهابي واحدة من أبرز رائدات العمل النسوي الفلسطيني، حيث لعبت دوراً مهماً في الحركات الوطنية منذ بدايات القرن العشرين.
وُلدت في مدينة القدس عام 1901، وكانت من أوائل النساء اللواتي قُدن العمل النسوي المنظم في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني.
أسهمت الشهابي في تشكيل أول اتحاد نسائي فلسطيني عام 1921 بهدف مواجهة سياسات الانتداب البريطاني، كما قادت أول مظاهرة نسائية احتجاجاً على اعتقال عدد من قادة الثورة الفلسطينية.
وفي عام 1944 شاركت في تأسيس الاتحاد النسائي العربي، كما أطلقت عدة مبادرات اجتماعية، من بينها إنشاء مستوصف طبي للعناية بالحوامل ومراكز لرعاية الأطفال وتعليم الفتيات مهارات التطريز والخياطة.

وتقول منى الخليلي، أمينة سر الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، إن اسم زليخة الشهابي يمثل نموذجاً للمرأة الفلسطينية التي جمعت بين النضال الوطني والتحرر الاجتماعي.
وفي عام 1929، نظم الاتحاد النسائي أول مؤتمر نسائي فلسطيني حضرته نحو 300 سيدة من مختلف المناطق الفلسطينية، حيث أرسلت المشاركات برقيات إلى القوى الدولية احتجاجاً على سياسات الانتداب والهجرة اليهودية، كما شكلن وفداً من 14 سيدة لمقابلة المندوب السامي البريطاني للمطالبة بإلغاء وعد بلفور.

وتشير الخليلي إلى أن الشهابي لعبت دوراً مهماً في ترسيخ الفكر الوطني الفلسطيني، خاصة خلال العقود التي شهدت تحولات ديموغرافية وسياسية كبيرة في فلسطين.
كما ساهمت في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها رئيسة للاتحاد النسائي، وشاركت في تأسيس لجنة الإسعاف التابعة للمقاومة الشعبية قبل حرب عام 1967.
وتوفيت الشهابي في القدس عام 1992 بعد مسيرة طويلة من العمل الوطني والاجتماعي.

سناء الفودري.. شهيدة الكويت الأولى في مواجهة الغزو

تُعرف سناء الفودري في الكويت بأنها "شهيدة الكويت الأولى"، بعدما أصبحت رمزاً لمقاومة الغزو العراقي للبلاد عام 1990.
وُلدت سناء عام 1969، وقُتلت في 8 أغسطس 1990 خلال الأيام الأولى من الغزو العراقي للكويت، بعد مشاركتها في مظاهرة نسوية احتجاجية ضد الاحتلال.
وبحسب ما نشرته الصحف الكويتية آنذاك، كانت الفودري تقود تحركاً نسوياً يدعو الكويتيات للمشاركة في المظاهرات الرافضة للغزو ولحكم الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين.
ويشير كتاب "لا أحد يتعلم من التاريخ" للكاتب بيشوي القمص إلى أن المظاهرة النسوية التي قادتها سناء كانت بمثابة الشرارة الأولى للمقاومة الشعبية الكويتية.
وخلال التظاهرة، فتحت القوات العراقية النار على المتظاهرات، ما أدى إلى مقتل سناء وأربع نساء أخريات.
ويروي شهود عيان أن سناء كانت تهتف "أموت لتحيا الكويت" وهي ترفع العلم الكويتي، قبل أن تسقط برصاص القوات العراقية.
وتنقل شقيقتها حياة أنها في لحظاتها الأخيرة قالت: "أكملي.. لقد انتهى دوري، أكملي أنت ووالدتي".
ويرى صحفيون كويتيون أن قصة سناء الفودري تجسد شجاعة المرأة الكويتية ودورها في المقاومة الشعبية خلال أشهر الاحتلال.

إميلي بشارات.. رائدة العمل القانوني والنسوي في الأردن

تُعد إميلي بشارات أول محامية أردنية وواحدة من أبرز الناشطات السياسيات في تاريخ الأردن الحديث.
وُلدت عام 1913، وكرست نشاطها للدفاع عن المساواة بين الرجال والنساء، كما شاركت في حركات وطنية طالبت بالسيادة الوطنية وتعريب قيادة الجيش الأردني.
تقول عبلة أبو علبة، الأمينة الأولى لحزب الشعب الديمقراطي الأردني، إن بشارات لعبت دوراً بارزاً في الحركات النسوية والسياسية خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.
وشاركت بشارات في تحركات قادتها نساء من أحزاب مختلفة، بما فيها الحزب الشيوعي وحزب البعث وحركة القوميين العرب، للمطالبة بالتحرر الاجتماعي والسياسي.
كما قادت مطالبات نسوية بإدراج مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات أثناء إعداد الدستور الأردني.
وفي عام 1944، ترأست أول وفد نسائي أردني إلى مؤتمر نسائي عربي بقيادة هدى شعراوي، حيث ناقش المؤتمر قضايا الحرية الاجتماعية وإعادة بناء المجتمعات بعد انتهاء الاستعمار.
لاحقاً أصبحت رئيسة أول اتحاد نسائي أردني عام 1954، وقادت من خلاله تحركات اجتماعية واسعة في مختلف أنحاء الأردن.
كما شاركت في مظاهرات تطالب بتعريب قيادة الجيش الأردني وإنهاء النفوذ البريطاني، وكانت من الداعمين البارزين للقضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في العودة.
واجهت بشارات تحديات سياسية عديدة، خاصة بعد إقالة حكومة سليمان النابلسي عام 1957 وحل الأحزاب السياسية، إضافة إلى حل اتحاد النساء في الأردن.
ورغم ذلك، واصلت جهودها لإحياء الحركة النسوية، حتى أعيد تأسيس الاتحاد النسائي عام 1974، حيث نجح الاتحاد بقيادتها في الحصول على حق الترشح والانتخاب للنساء الأردنيات.
كما قادت تحركات للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في الأردن ودول مجاورة، لتبقى واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ العمل السياسي والاجتماعي الأردني.