يشهد لبنان تصعيدًا عسكريًا واسعًا مع اتساع رقعة الغارات الإسرائيلية من قرى الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، بالتزامن مع إعلان إسرائيل نيتها إقامة منطقة عازلة جنوب البلاد والإبقاء على سيطرتها حتى نهر الليطاني، في مشهد يعكس تعقيدات المشهدين الميداني والسياسي على حد سواء.

تصعيد عسكري واسع من الجنوب إلى الضاحية

جددت إسرائيل غاراتها على الضاحية الجنوبية لبيروت، مستهدفة مواقع حيوية مكتظة بالسكان، من بينها مناطق مدنية بالكامل. كما استهدفت غارة شقة سكنية في منطقة الرحاب عند أول طلعة السفارة الكويتية، وذلك بعد إنذار بالإخلاء نشره المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي.

وفي جنوب لبنان، شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارات على بلدات يحمر ومجدلزون، وألحق أضرارًا بمنزل في بلدة ياطر، فيما تعرضت أطراف مارون الراس ويارون وبنت جبيل لقصف مدفعي. وسُجلت أيضًا غارات على دير عامص، وطريق نهر قعقعية الجسر، وبلدة حناويه، وبلدة شقرا، إلى جانب قصف مدفعي على المنصوري، وغارة قرب مدرسة السماعية في قضاء صور.

وفي بلدة برعشيت بقضاء بنت جبيل، أسفرت غارة عن سقوط شهيد وجريح، بينما استُهدفت نقطة الرسالة في حناوية دون تسجيل إصابات، واقتصرت الأضرار على آليات الإسعاف. كما أقدم الجيش الإسرائيلي على إحراق عدد من المنازل في بلدة الناقورة، في مؤشر إضافي على اتساع العمليات الميدانية في القطاع الغربي.

من جانبه، أعلن حزب الله استهداف تجمع لجنود وآليات الجيش الإسرائيلي شرق معتقل الخيام بدفعة صاروخية، كما قصف مستوطنتي المطلة ودوفيف وموقع الغجر. وأشار إلى استهداف ثكنة شوميرا بسرب من المسيرات الانقضاضية، إلى جانب قصف موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي جنوب حيفا بصواريخ نوعية.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أربعة من جنوده وإصابة آخرين في جنوب لبنان، فيما أكد أنه هاجم خلية من عناصر حزب الله كانوا يرتدون زي مسعفين ويعملون بالقرب من سيارة إسعاف في الجنوب اللبناني.

حصيلة الضحايا وموقف رسمي لبناني

كشفت وزارة الصحة اللبنانية أن حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ بدء التصعيد في الثاني من مارس الجاري بلغت 1268 شهيدًا و3750 مصابًا.

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن إسرائيل ترفض التجاوب مع دعوات وقف الحرب على لبنان وبدء مفاوضات تضمن سيادته، مشددًا على أن الحرب لن تؤدي إلى نتائج عملية، بل ستزيد من معاناة الشعب اللبناني، وأن التفاوض هو الحل الوحيد القادر على إعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة.

وفي سياق متصل، أعلنت قوات الأمم المتحدة المؤقتة لحفظ السلام في جنوب لبنان (اليونيفيل) مقتل أحد عناصرها وإصابة آخرين في محيط بلدة مركبا جنوب البلاد، فيما أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش مقتل جنديين إندونيسيين من قوات اليونيفيل.

إسرائيل تتحدث عن منطقة عازلة جنوب الليطاني

أكدت إسرائيل أنها ستقيم منطقة عازلة في جنوب لبنان، وستبقي سيطرتها على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه أصدر تعليمات بأن الخط الأصفر للجيش في جنوب لبنان سيجعل الصواريخ المضادة للدروع بعيدة عن البلدات الإسرائيلية، في إشارة إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية لضمان ما تصفه تل أبيب بأمن مستوطناتها الشمالية.

تصاعد الأزمة الدبلوماسية بين بيروت وطهران

بالتوازي مع التصعيد العسكري، تتصاعد أزمة دبلوماسية بين لبنان وإيران، على خلفية إعلان حزب الله انضمامه إلى الحرب كجبهة إسناد لإيران، وهو ما أثار حفيظة الدولة اللبنانية.

وأصدرت وزارة الخارجية اللبنانية قرارًا باعتبار السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني شخصًا غير مرغوب فيه، وطالبته بمغادرة البلاد. إلا أن السفير لم ينفذ القرار وأصر على البقاء في بيروت، مدعومًا بموقف "الثنائي الشيعي" في الحكومة اللبنانية.

وفي أول رد رسمي، أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن السفير شيباني سيواصل عمله في بيروت. في المقابل، لم تصدر وزارة الخارجية اللبنانية توضيحًا بشأن المهلة المحددة لمغادرته، والتي يُفترض أن تنتهي اليوم، كما لم تلوّح بإجراءات في حال امتناعه عن الامتثال، رغم فقدانه صفته التمثيلية وتجريده من الحصانة الدبلوماسية وإلغاء تأشيرة دخوله عقب سحب اعتماده.

وتشير تقارير إعلامية لبنانية إلى أن شيباني باقٍ داخل السفارة الإيرانية في بيروت، التي تتمتع بحصانة دبلوماسية، مستفيدًا من حماية «الثنائي الشيعي»، ولا سيما حزب الله، الذي يرفض قرار ترحيله.

ويُعد هذا الوضع تحديًا مباشرًا لقرار الدولة اللبنانية، وينذر بتجاوز الأزمة إطارها الدبلوماسي بين بيروت وطهران لتتحول إلى أزمة سياسية داخلية تعمّق الانقسام بين أركان السلطة.

وفي هذا السياق، أفادت أوساط رئيس مجلس النواب نبيه بري أنه فوجئ بقرار الترحيل، الذي صدر بعد أربع وعشرين ساعة فقط من اجتماعه بالرئيس اللبناني جوزيف عون.