يحلّ خميس العهد، المعروف أيضًا بالخميس المقدس أو خميس الأسرار، في قلب أسبوع الآلام باعتباره أحد أبرز الأيام في التقويم المسيحي، إذ يخلّد ذكرى العشاء الأخير للسيد المسيح مع تلاميذه قبل القبض عليه ومحاكمته، وفقًا للرواية الإنجيلية.
ويأتي هذا اليوم خامسًا في ترتيب أسبوع الآلام، بعد أربعاء البصخة وقبل الجمعة العظيمة، ويتحدد موعده بين 19 مارس و22 أبريل، مع اختلاف التاريخ بحسب التقويم المعتمد؛ إذ تتبع الكنائس الغربية التقويم الجريجوري، بينما تعتمد الكنائس الشرقية التقويم اليولياني، ما يجعل الاحتفال به يقع غالبًا بين مطلع أبريل وأوائل مايو وفق التقويم الميلادي.
النائب أحمد الشناوي ل " خمسة سياسة ": شراكة الدولة والقطاع ال...
العشاء الأخير وتأسيس سرّ القربان
ترتبط قدسية خميس العهد بوقائع العشاء الأخير الذي جمع المسيح بتلاميذه الاثني عشر في القدس، تزامنًا مع احتفال اليهود بعيد الفصح وإحياء ذكرى خروجهم من مصر، حيث كانوا يتناولون الخبز الفطير استذكارًا لليلة العبور.
وخلال العشاء، قدّم المسيح الخبز باعتباره جسده، وكأس النبيذ باعتبارها دمه، طالبًا من تلاميذه إحياء هذه الذكرى، في ما يُعد تأسيسًا لسرّ القربان والقداس الإلهي في التقليد المسيحي. كما تنبأ بخيانة يهوذا الإسخريوطي، وإنكار بطرس له ثلاث مرات قبل صياح الديك، وألقى وصيته التي جعلت المحبة علامة فارقة لتلاميذه: أن يحبوا بعضهم بعضًا كما أحبهم هو.
ولم يكتفِ بالوصية قولًا، بل جسّدها فعلًا، حين غسل أقدام تلاميذه، في مشهد يعكس أقصى معاني التواضع والخدمة، إذ قام بما كان يُعد من أعمال العبيد، مؤكدًا أن القيادة في المفهوم المسيحي ترتبط بالعطاء لا بالسلطة.
طقوس متوارثة ورسائل روحية
تحيي كنائس عديدة حول العالم هذا اليوم بطقس غسل الأرجل، حيث يقوم الكاهن بغسل أقدام عدد من المصلين اقتداءً بالمسيح، إلى جانب صلوات خاصة تستحضر أحداث العشاء الأخير وآلامه اللاحقة. ويُنظر إلى هذا الطقس بوصفه دعوة متجددة للمحبة والتواضع وخدمة الآخر.
من الجثمانية إلى لحظة القبض
بعد انتهاء العشاء، توجّه المسيح مع تلاميذه إلى جبل الزيتون، وتحديدًا إلى بستان الجثمانية، حيث انفرد للصلاة في لحظات اتسمت بالحزن والترقب. وهناك، وبحسب الرواية المسيحية، ظهر له ملاك ليشدده.
وفي تلك الأثناء، وصل يهوذا برفقة حرس الهيكل وجنود، وكان الاتفاق أن يدلّهم على المسيح بقبلة. وعندما حاول بطرس الدفاع عنه وقطع أذن عبد رئيس الكهنة، أعاد المسيح الأذن بمعجزة، مؤكدًا رفضه للعنف، قبل أن يُقتاد إلى مقر رئيس الكهنة تمهيدًا لمحاكمته.
تسميات شعبية وعادات محلية
يحمل خميس العهد تسميات متعددة تعكس خصوصية كل مجتمع. ففي مصر يُعرف بـ«خميس العدس»، حيث درجت العادة على إعداد العدس المصفّى في هذا اليوم. وفي بلاد الشام يُسمى «خميس الأرز» أو «خميس البيض»، بينما عُرف في الأندلس باسم «خميس أبريل».
وخلال العصر الفاطمي، كان الاحتفال به يتخذ طابعًا رسميًا، إذ جرت العادة على سكّ نقود تذكارية من الذهب تُعرف بـ«الخراريب»، تُوزع على رجال الدولة، في مشهد يعكس تداخل الطقوس الدينية مع المظاهر الاحتفالية في الحياة العامة آنذاك.
يبقى خميس العهد محطة روحية فارقة في مسيرة أسبوع الآلام، تتجدد فيها معاني المحبة والتضحية والخدمة، وتستعيد الذاكرة المسيحية واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في تاريخها الإيماني، تمهيدًا لأحداث الجمعة العظيمة وقيامة الفصح.
النائب أحمد الشناوي ل " خمسة سياسة ": شراكة الدولة والقطاع ال...
