بحسب الوكالات الإخبارية في تطور اقتصادي خطير يعكس حجم الاضطرابات العالمية الناتجة عن الحرب الإيرانية، كشفت بيانات حديثة أن بريطانيا اضطرت إلى استيراد كميات ضخمة من وقود الطائرات من الولايات المتحدة الأمريكية بقيمة قاربت نصف مليار جنيه إسترليني، بعد أزمة نقص حادة ضربت الإمدادات القادمة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم. وتأتي هذه الأزمة في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة، مع استمرار تعطل حركة الشحن والنقل في الخليج، الأمر الذي دفع لندن للتحرك بشكل عاجل لتأمين احتياجات مطاراتها من الوقود.
نوصى بقراءة :
بتوجيهات الرئيس السيسي.. بدء صرف المعاشات اعتبارًا من 24 مايو 2026
قفزة ضخمة في الواردات الأمريكية إلى بريطانيا
وأظهرت الأرقام أن واردات بريطانيا من وقود الطائرات الأمريكي وصلت خلال شهر أبريل فقط إلى نحو 400 ألف طن، وهو رقم ضخم يعادل عشرة أضعاف الكميات التي تم استيرادها خلال نفس الفترة من العام الماضي. وبحسب البيانات، بلغت تكلفة هذه الواردات حوالي 660 مليون دولار أمريكي، أي ما يقارب 488 مليون جنيه إسترليني، في واحدة من أكبر صفقات الوقود الطارئة التي شهدتها بريطانيا خلال السنوات الأخيرة. وأكد تقرير صحيفة “تليجراف” البريطانية أن الولايات المتحدة أصبحت حاليا المورد الأساسي لإنقاذ المطارات البريطانية من شبح نقص الوقود.
مضيق هرمز يشل إمدادات الطاقة العالمية
ويعاني سوق الطاقة العالمي من أزمة متصاعدة بسبب استمرار إغلاق واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية.
وكانت مصافي الخليج العربي توفر قبل اندلاع الصراع الإيراني ما يصل إلى 65% من احتياجات بريطانيا من وقود الطائرات، ما جعل أي اضطراب في المنطقة ينعكس مباشرة على المطارات البريطانية والأوروبية. ويتوقع محللون أن تستمر الشحنات الأمريكية في الارتفاع خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت الأزمة الحالية دون حل.
أسعار وقود الطائرات تقفز بشكل جنوني
الأزمة لم تؤثر فقط على الإمدادات، بل فجرت أسعار الوقود عالميا بصورة صادمة. فقد ارتفع سعر طن وقود الطائرات من حوالي 750 دولارا في يناير الماضي إلى ذروة وصلت إلى 1650 دولارا للطن، قبل أن يتراجع نسبيا إلى نحو 1300 دولار حاليا. ورغم هذا التراجع المحدود، فإن الأسعار ما تزال مرتفعة للغاية، وسط توقعات بأن فاتورة واردات بريطانيا من الوقود الأمريكي قد تصل إلى مليارات الجنيهات خلال العام الجاري إذا استمرت الأزمة الجيوسياسية.
إغلاق المصافي البريطانية فاقم الكارثة
وتواجه بريطانيا أزمة إضافية تتمثل في تراجع قدرتها المحلية على إنتاج وقود الطائرات، بعد إغلاق عدد من المصافي الكبرى خلال العامين الماضيين.
ومن أبرز هذه المصافي:
- مصفاة “جرانجماوث” الاسكتلندية التي أغلقت في أبريل 2025.
- مصفاة “براكس” التي توقفت عن العمل العام الماضي.
هذه الإغلاقات جعلت بريطانيا أكثر اعتمادا على الاستيراد الخارجي، خصوصا من الولايات المتحدة والخليج.
أمريكا تتحول إلى المنقذ الأول لأوروبا
وبحسب بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تحليل أسواق الطاقة، فإن المصافي الأمريكية صدرت إلى بريطانيا نحو 386 ألف طن من وقود الطائرات خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ39 ألف طن فقط في أبريل 2025. وأكد المحلل جورج شو أن الولايات المتحدة أصبحت “المورد الخارجي الرئيسي” لوقود الطائرات لكل من بريطانيا وأوروبا، مشيرا إلى أن الصادرات الأمريكية لبريطانيا تجاوزت بأكثر من الضعف الكميات القادمة من هولندا.
تخفيف القيود الأوروبية على الوقود الأمريكي
وفي محاولة عاجلة لتأمين الإمدادات، قامت الحكومتان البريطانية والأوروبية بتخفيف القيود المفروضة على استخدام نوع الوقود الأمريكي المعروف باسم “جيت إيه”.
وجاء القرار رغم وجود مخاوف تقنية تتعلق بارتفاع درجة تجمد هذا النوع من الوقود مقارنة ببعض الأنواع الأوروبية، لكن الحكومات فضلت تأمين الإمدادات على حساب تلك التحفظات الفنية.
اعتماد بريطاني متزايد على واشنطن في الطاقة
الأرقام الحديثة تكشف أن بريطانيا أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الولايات المتحدة في قطاع الطاقة بشكل عام، وليس فقط في وقود الطائرات.
فالولايات المتحدة توفر حاليا: 76% من واردات بريطانيا من الغاز الطبيعي المسال. و 30% من النفط الخام. و 25% من واردات الديزل. ويرى خبراء أن هذا الاعتماد المتزايد قد يجعل بريطانيا أكثر عرضة لأي تغيرات سياسية أو اقتصادية مستقبلية في العلاقات مع واشنطن.
تحذيرات من مخاطر الاعتماد على مورد واحد
من جانبه، حذر بنديكت جورج، رئيس تسعير المنتجات النفطية الأوروبية في مؤسسة “أرجوس ميديا”، من أن الاعتماد المفرط على مصدر واحد للطاقة قد يخلق مخاطر كبيرة مستقبلا في حال حدوث أي اضطرابات بالإمدادات الأمريكية. لكنه أوضح في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة تظل شريكا أكثر استقرارا وموثوقية مقارنة ببعض موردي الطاقة التقليديين الآخرين.
بريطانيا تتجه للطاقة النظيفة هربا من الأزمات
وفي تعليقها على الأزمة، أكدت وزارة الطاقة البريطانية أن ما يحدث حاليا يكشف أهمية تسريع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة والمحلية. وترى الحكومة البريطانية أن تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد أصبح ضرورة استراتيجية لتجنب تقلبات الأسواق العالمية والأزمات الجيوسياسية المتكررة.
أزمة قد تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية
ويرى مراقبون أن استمرار أزمة هرمز لفترة أطول قد يدفع العالم نحو إعادة تشكيل تحالفاته ومصادره في قطاع الطاقة، مع تصاعد دور الولايات المتحدة كمورد رئيسي لأوروبا، مقابل تراجع اعتماد الغرب على نفط ومشتقات الخليج. كما يتوقع خبراء أن تؤدي هذه التطورات إلى ارتفاع أسعار السفر والطيران عالميا خلال الفترة المقبلة، نتيجة الزيادة الكبيرة في تكاليف الوقود
نوصى بقراءة :
