أعادت الوثائق التاريخية والأكاديمية تسليط الضوء على "الجامع العمري العتيق" في مركز إسنا بمحافظة الأقصر، والذي يُعد أحد أبرز الشواهد المعمارية الفاطمية في صعيد مصر. وكشفت مراجع أثرية موثقة عن تفاصيل دقيقة حول تاريخ المئذنة القائمة منذ أكثر من 900 عام، وسط تساؤلات تاريخية أثارها النص التأسيسي للمسجد المحفوظ حالياً في متحف الأقصر.

لغز النص التأسيسي وعمر الجامع
يرجع تاريخ المئذنة العتيقة إلى عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، وتحديداً في عام 469 هجرية / 1076 ميلادية، وفقاً لدراسات عالم الآثار "كريسويل" واللجنة العلمية لحفظ الآثار العربية.
وجاء في نص اللوحة التأسيسية: "أمر ببنائه وتجديده أمير الجيوش ووزير الفاطميين بدر الجمالي، وأشرف على التأسيس القاضي أبو الحسن علي بن أحمد بن النضر". وأثار لفظ "تجديده" حيرة المؤرخين، إذ يرجح بقوة وجود مسجد أقدم في نفس الموقع قبل التدخل الفاطمي.

"أزهر الصعيد" وسر التسمية
حسمت الدراسات الأثرية هوية المسجد مؤكدة أن تسمية "العمري" لا تنسب إلى الصحابي عمرو بن العاص، بل هي عادة تاريخية مصرية تطلق اسم "العمري" أو "العتيق" على أقدم مسجد في المدينة تيمناً بـجامع الفسطاط. ونظراً لدوره التعليمي والفقهي الواسع في العصور الوسطى، لُقب المسجد بـ "أزهر الصعيد"، وتخرج منه قامات علمية بارزة كالفقيه الأصولي ابن الحاجب الإسناوي.

مئذنة بمهام عسكرية وملاحية
تتميز المئذنة بطرازها الفاطمي، حيث ترتفع 25 متراً ومبنية من الطوب الآجر والمونة الطينية عبر ثلاثة طوابق. وأثبتت موسوعة "وصف مصر" للحملة الفرنسية أن المئذنة تجاوزت دورها الديني للأذان، لتلعب دوراً استراتيجياً مزدوجاً: حيث استُخدمت كبرج مراقبة لإرسال إشارات نارية عسكرية تبلغ القاهرة بالتهديدات القادمة من الجنوب، كما عملت كـ "فنار" يرشد السفن والمراكب التجارية ليلاً قرب ميناء إسنا النيلي القديم، و تحتفظ حتى اليوم بمزولة شمسية محفورة على جدرانها لتحديد مواقيت الصلاة بدقة عبر الظل.


