على مدار العقود الماضية، ظلت الأدبيات الأثرية الغربية تنسب الفضل في كشف دير "الأنبا هدرا" بأسوان، أحد أكبر وأقدم الأديرة القبطية المحصنة في العالم، إلى البعثة الإيطالية برئاسة عالم الآثار "مونريه دي فيلارد" عام 1925. إلا أن صوراً نادرة تعود لنهايات القرن التاسع عشر، حصلت عليها "خمسة سياسة"، تكشف عن مفاجأة مدوية تفند تلك المزاعم، وتؤكد أن الأثر كان شاخصاً ومكشوفاً ومعروفاً للعامة والرحالة قبل هذا الإعلان الرسمي بعقود طويلة.


صور نادرة من أواخر القرن التاسع عشر تفضح مزاعم "دي فيلارد" باكتشاف الأثر عام 1925

وفي هذا التحقيق، نستعرض بطاقة تعريف هذا الأثر الفريد، ونكشف عن المفارقة القدرية التي تسببت في هجره، وصولاً إلى توثيق الحقائق التاريخية التي دحضت رواية الاستشراق الإيطالي.

بطاقة تعريف: طراز باخومي وحصن فريد في قلب الجبل

يقع دير "الأنبا هدرا" ــ الذي عُرف خطأً في كتابات الرحالة الأجانب باسم دير "سان سيمون" أو "القديس سمعان" لسبب لا يزال مجهولاً تاريخياً ــ في موقع إستراتيجي عبقري بالبر الغربي لنهر النيل في أسوان، حيث يشغل تلاً مرتفعاً خلف قبر "الأغاخان" ومواجهًا لجزيرة "إلفنتين".


ويُعد هذا الدير، الذي بدأ بناؤه في القرن السادس الميلادي وشهد حركة تجديد وتوسيع واسعة في القرن العاشر، الأثر الوحيد المتبقي بشكل شبه متكامل من أديرة الرهبنة الباخومية في مصر العليا. ويمتد هذا المجمع الديني والعسكري المحصن على مساحة شاسعة تقارب فدانين وربع، بينما تشير مصادر أخرى إلى وصولها لخمسة أفدنة بالاحتساب مع الأسوار الخارجية المحيطة به، والتي بُنيت لحماية الرهبان من الغارات.


مؤسسة سياسية ودينية ودبلوماسية إستراتيجية في جنوب مصر.

لم يكن الدير مجرد مكان للتعبد والانعزال عن العالم، بل كان بمنزلة مؤسسة سياسية ودينية ودبلوماسية إستراتيجية في جنوب مصر. فمع حلول القرن العاشر الميلادي، تحول الدير إلى مركز انطلاق رئيسي للبعثات الرهبانية المتوجهة صوب الجنوب، حيث لعب دوراً محورياً كجسر حضاري وديني تولى مهمة نشر المسيحية في ممالك النوبة المتخامة للحدود المصرية الجنوبية، مما منحه ثقلاً سياسياً كبيراً في تاريخ العلاقات المصرية النوبية آنذاك.

دراما العطش: كيف هزمت "المياه" الحصن الذي لم تسقطه الجيوش؟

تتجلى في تاريخ الدير مفارقة قدرية تثير الدهشة؛ فالحصن الذي صُمم بأسوار منيعة ليصمد أمام أعتى الهجمات العسكرية، سقط في النهاية أمام سلاح الجفاف وشح المياه.


ونظراً لارتفاع الدير الشاهق فوق سطح الجبل، كانت عملية نقل المياه من مجرى النيل تمثل تحدياً لوجستياً هائلاً. ومع انحصار مياه النهر في مواسم الجفاف، استحال على الرهبان تأمين احتياجاتهم المائية الأساسية، مما أدى في النهاية إلى اتخاذ قرار جماعي بهجر الحصن تماماً في القرن الثالث عشر الميلادي، لتبتلعه رمال الصحراء وتطوي صفحات مجده الإسترايجي لقرون.


الحنفية العمومية وسقاة أسوان يفضحون ادعاءات "دي فيلارد"


تكمن الإثارة الحقيقية في هذا الملف عند مقارنة التاريخ الرسمي بالوثائق المصورة؛ حيث تظهر الصور التاريخية الملتقطة عام 1896 لـ "تجّار المياه" أو "السقاة" وهم يصطفون أمام "الحنفية العمومية" في أسوان، وأطلال دير الأنبا هدرا واضحة وشاخصة في خلفية المشهد خلف النيل.


هذه الصورة، وغيرها من المراسلات، تدحض بشكل قاطع ادعاء عالم الآثار الإيطالي "مونريه دي فيلارد" بأنه هو من "كشف" عن هذا الأثر عند بدء أعمال التنقيب والترميم عام 1925. فالحقيقة التي تؤكدها الوثائق أن الدير لم يكن مخفياً تحت الأرض، بل كان مزاراً معروفاً دون ريب، وقد كتب عنه المستشرقون والرحالة الأجانب بالتفصيل في كتب رحلاتهم التي صدرت وطُبعت في أوروبا قبل إعلان الاكتشاف الإيطالي المزعوم بعقود كاملة، مما يفتح الباب لإعادة قراءة وتوثيق الحقوق التاريخية لآثارنا الوطنية بعيداً عن روايات الاستعمار الأثري.