تشكل مذكرات وصحف نهاية القرن التاسع عشر مادة خصبة لتوثيق التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المصري فور دخول التكنولوجيا الحديثة. ويمثل افتتاح ترام القاهرة في أغسطس 1896 نموذجاً حياً لـ«الصدمة الثقافية» التي واجهها العوام والمحافظون على حد سواء، والتي تراوحت بين الذهول والرفض الأخلاقي والمقاومة العنيفة من أصحاب المهن التقليدية.

توثيق الصحافة المعاصرة لذهول الشارع

في 13 أغسطس 1896، غطت جريدة "المقطم" حفل الافتتاح المهيب بميدان العتبة بحضور حسين فخري باشا وزير الأشغال. ووصف التقرير حالة الذهول العام برصد اصطفاف المواطنين على جانبي الطريق لمشاهدة مركبات تسير «بقوة الطبيعة التي تسبب البروق والرعود»، في إشارة للكهرباء. ومثّل هذا الحدث نقلة تاريخية سبقت خط الجيزة والهرم (1899) وخط مصر الجديدة (1908).

 هلع «العفريت» والاعتقاد بالقوى الخفية

رصد المؤرخ أحمد شفيق باشا في موسوعته "مذكراتي في نصف قرن" رد الفعل الشعبي التلقائي فور تحرك المركبة بدون دواب؛ حيث تراجع العوام بذعر هاتفين «العفريت.. العفريت!». وشاع في أحياء بولاق والقلعة أن الآلة تُدار بالجن المحبوس، مما دفع فئات من المحافظين والمشايخ لتحريم ركوبه في الأيام الأولى بدعوى السحر والتسخير.

 البعد الأخلاقي وأزمة الاختلاط في المساحات المغلقة

وفقاً لكتاب المؤرخ محمد سيد الكيلاني "ترام القاهرة"، واجه المشروع هجوماً حاداً من التيار المحافظ. واعتبر المعارضون الترام «مفسداً للأخلاق» لسببين رئيسيين، هما الاختلاط المباشر: إتاحة الجلوس بين الرجال والنساء لأول مرة في مساحة مغلقة، و حرية الحركة، حيث تمكين الشباب من التنقل السريع بين الأحياء بعيداً عن الرقابة الأبوية، مما دفع شعراء الزجل لشن حملات تحذيرية على المقاهي.

المقاومة العمالية وحرب الأرزاق

سجلت مضابط الشرطة في الشهور الأولى لعام 1896 صدامات عنيفة قادها "الحمارون" و"العربجية". واعتبر أصحاب مهن النقل التقليدية الترام «خراباً مستعجلاً» لبيوتهم، وتطور الرفض إلى رشق العربات بالحجارة لترهيب الركاب ومنعهم من استبدال الدواب بالوسيلة الجديدة، رغم جاذبية أسعار التذاكر التي تحددت بـ 6 مليمات للدرجة الأولى (البريمو) و4 مليمات للدرجة الثانية (الترسو).