تحولت المساجد المصرية في أعقاب عام 2011 من بيوت للعبادة والسكينة الروحية إلى ساحات للصراع الفكري و منابر للاستقطاب السياسي، وشهدت تلك الفترة ذروة استراتيجية ممنهجة أدارتها جماعة الإخوان المسلمين، حيث نظرت إلى المساجد باعتبارها مؤسسات بديلة للتعبئة وحشد التأييد الحزبي، وأفضى هذا التوظيف الممنهج إلى تحويل المنبر إلى أداة نفوذ وتغلغل اجتماعي لخدمة مشروع سياسي ضيق، مما هدد السلم المجتمعي ومفهوم الدولة الوطنية.

أمام هذا المشهد المعقد، أطلقت الدولة المصرية استراتيجية شاملة وممتدة لاستعادة الهوية الوسطية للمساجد وتطهيرها من الأدلجة الحزبية. واعتمدت هذه المواجهة الحاسمة على حزمة من المحاور التشريعية، والتنظيمية، والفكرية لإعادة دور العبادة إلى رسالتها السامية.

 قانون تنظيم الخطابة وعقوبات المخالفين


لم تكن المواجهة عشوائية، بل تأسست على أرضية قانونية صلبة لضبط العمل الدعوي ومنع الدخلاء وغير المتخصصين من اعتلاء المنابر. وتضمنت الترسانة التشريعية خطوات حاسمة تمثلت في:


قصر الخطابة 

فقد جري تفعيل التشريعات التي تحظر ممارسة الخطابة أو إلقاء الدروس الدينية في المساجد إلا لخريجي الأزهر الشريف والعاملين بوزارة الأوقاف المصرح لهم رسمياً.


الضبطية القضائية

وقد منح مفتشي وزارة الأوقاف صفة "مأموري الضبطية القضائية" لرصد أي مخالفات داخل المساجد، وإحالة الخطباء غير المؤهلين أو الذين يخلطون الدين بالسياسة إلى النيابة العامة.

العقوبات المغلظة

تم فرض عقوبات صارمة تشمل الحبس والغرامة المالية لكل من صعد المنبر دون تصريح، أو استغل بيوت الله للترويج لأفكار جماعات محظورة.

 تجفيف منابع التمويل وضبط الفضاء الدعوي


امتدت يد التنظيم والدولة إلى الشؤون الداخلية للمساجد لإغلاق كافة الثغرات التي كانت تستغلها الجماعات الدينية لبناء قواعد نفوذ مالي واجتماعي:

إطلاق الخطبة الموحدة

صياغة موضوعات خطبة الجمعة وتحديد إطارها الزمني لتركز على القيم الأخلاقية، والروحية، وبناء الأوطان، مما قطع الطريق على استخدام المنبر كمنصة للبيانات السياسية.

حظر التبرعات العشوائية

منع جمع أي أموال نقداً أو وضع صناديق تبرعات غير خاضعة للرقابة داخل المساجد، وحصر المعاملات المالية عبر الحسابات البنكية الرسمية لتجفيف منابع التمويل غير المشروعة.

تقنين أوضاع الزوايا

فقد تم إغلاق الزوايا الصغيرة وغير المؤهلة لصلاة الجمعة، وضمها لإشراف وزارة الأوقاف المباشر لمنع تحولها إلى بؤر بعيدة عن الرقابة الرسمية.


إدارة المساجد الكبرى


تم إحكام السيطرة على المساجد التاريخية والرئيسية في العاصمة والمحافظات، وتعيين أئمة مشهود لهم بالوسطية والكفاءة العلمية لإدارتها.

التحصين الفكري: تطهير المكتبات وتأهيل الأئمة


أدركت الدولة أن المواجهة الأمنية والإدارية لا تكفي وحدها دون مواجهة فكرية تفكك أطروحات الإسلام السياسي وتستبدلها بالفكر الأزهري المستنير، فاتخذت هذه الإجراءات : 


مراجعة المكتبات الملحقة:

جري تشكيل لجان متخصصة لتفتيش وتطهير مكتبات المساجد من الكتب والمؤلفات التي تحرض على العنف، أو التكفير، أو التي تروج لأدبيات الفكر القطبي والإخواني.

أكاديمية الأوقاف الدولية: 

تم إنشاء مراكز ومعاهد متطورة لتأهيل الأئمة والواعظات، وتدريبهم على علوم التفسير الحديث، وفقه النوازل، وآليات تفكيك الفكر المتطرف، ومواجهة الشائعات.


تجديد الخطاب الديني:

تم صياغة إستراتيجية دعوية ترسخ مفاهيم المواطنة، وقبول الآخر، واحترام القانون، والتأكيد على أن مصالح الأوطان لا تنفصل عن مقاصد الأديان.


أثمرت هذه الجهود المتكاملة عن استعادة الدولة المصرية لسيادتها الكاملة على بيوت الله، وتحرير عقول المصلين من محاولات الاختطاف الأيديولوجي، لتعود المساجد مراكز إشعاع روحي وأخلاقي تخدم المجتمع بأسره دون تمييز أو استقطاب.