تتحول المعالم الأثرية أحيانًا من مجرد جدران صامتة إلى حكايات حية تسكن وجدان الشعوب. وفي قلب مدينة الفيوم، وتحديدًا بجوار ميدان السواقي الشهير، تقف قبة وضريح "الشيخة مريم" شاهدة على حقبة تاريخية فريدة منذ مطلع القرن العشرين. تطل القبة بموقعها الاستراتيجي مباشرة على ترعة "بحر يوسف"، لترسم لوحة بصرية وتاريخية تجمع بين عبقرية المكان والامتداد الروحي لمدينة الفيوم.


اكتتاب عام وإشراف ملكي: المحطات التاريخية لبناء الضريح


تعود الجذور الموثقة لبناء هذه القبة التاريخية إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث شُيدت في الفترة ما بين عامي 1889 و1890 ميلادية. وجاء بناء القبة بجهود مجتمعية قادها محمود بك صبري، مدير إقليم الفيوم آنذاك، والذي تبنى فكرة تشييدها عبر تنظيم اكتتاب عام شارك فيه أهالي الإقليم، مدعومًا بتبرع مالي شخصي منه لضمان إتمام البناء.


ولم يكن الاهتمام بهذا الموقع وليد لحظة بنائه؛ إذ تشير السجلات التاريخية إلى أن الخديوي توفيق كان قد أصدر قرارًا رسميًا عام 1880 ميلادية بتعيين ناظرٍ على سبيل الشيخة مريم. ومع مرور العقود وتغير الأنظمة الإدارية، انتقلت مسؤولية الإشراف الكامل على الضريح وملحقاته إلى وزارة الأوقاف المصرية، لتتولى إدارته ورعايته باعتباره وقفًا خيريًا ومعلمًا دينيًا.
من سبيل ماء إلى أرض فضاء: التغيرات الجغرافية والمعمارية للموقع. 

شهدت المساحة المحيطة بالضريح جملة من المتغيرات المعمارية التي فرضتها خطط التوسع العمراني للمدينة؛ ففي البداية، كان يلحق بالقبة "سبيل ماء" لخدمة المارة وعابري السبيل، إلا أن هذا السبيل هُدم وتغيرت معالمه ليتحول إلى أرض فضاء بحلول عام 1949 ميلادية.


ولم تتوقف التحولات عند هذا الحد، فمع حلول فترة الستينيات من القرن الماضي، تقلصت المساحة الإجمالية المحيطة بالضريح مجددًا نتيجة لإعادة تخطيط المنطقة المركزية بالفيوم وتوسعة الطرق، لينتهي الحال بالضريح إلى مساحته ومظهره الحالي الذي يراه الزائرون اليوم بجوار السواقي.


لغز الهوية: الروايات الشفهية تجمع القلوب وتتحدى التوثيق


رغم القيمة الأثرية والروحية الكبيرة التي يتمتع بها المكان، تظل الهوية الحقيقية لـ"الشيخة مريم" لغزًا تاريخيًا حائرًا بين الباحثين. وتكمن الإشكالية في غياب أي سيرة مدونة أو وثائق مكتوبة في أمهات الكتب التاريخية تكشف عن أصولها أو نسبها، مما جعل سيرتها تعتمد كليًا على الروايات الشفهية المتناقلة بين الأجيال.

ويؤكد المؤرخون أن التضارب الواضح في الحكايات الشعبية المحيطة بشخصيتها يجعل تلك الروايات غير صالحة للاعتماد العلمي في التوثيق الرسمي. إلا أن هذا الغموض التاريخي حمل في طياته بعدًا إنسانيًا مميزًا؛ فنظرًا لعدم وجود حسم قاطع لأصولها، غدت "الشيخة مريم" حالة فريدة من العشق الروحي الخالص، حيث أحبها وتبرك بمقامها الجميع دون تفرقة، لتظل قبتها رمزًا للتسامح والسلام الاجتماعي على ضفاف بحر يوسف.