في كل مرة يسجل فيها النجم محمد صلاح هدفًا، تتجه الأنظار إلى احتفاليته المميزة التي باتت جزءًا من هويته داخل المستطيل الأخضر. وبينما يراها البعض مجرد تعبير عفوي عن الفرح، يذهب آخرون إلى أنها تحمل صدىً لحركة عرفها المصريون القدماء قبل آلاف السنين، عُرفت باسم "تحية الهِنو" (Hnw أو Henoo)، إحدى أشهر الإيماءات الاحتفالية والعسكرية في الحضارة المصرية القديمة.

وتشير نقوش مصرية قديمة، يرجع بعضها إلى عصر الدولة القديمة، إلى أن "الهِنو" كانت وضعية احتفالية ذات دلالات رمزية، تُؤدى برفع الذراعين معًا إلى الأمام مع بسط الكفين، أو برفع إحدى اليدين بينما تستقر الأخرى على الصدر، في مشهد يعكس التبجيل والاحتفاء.
طقس ملكي ورسالة نصر
وبحسب ما يورده عدد من الباحثين في الحضارة المصرية القديمة، ارتبطت "الهِنو" باستقبال الملك عقب انتصاراته العسكرية أو خلال الاحتفالات الرسمية، وعلى رأسها عيد "الحب-سد" أو اليوبيل الملكي، حيث كانت الحاشية والجنود يستقبلون الملك بهذه الوضعية، باعتباره "حورس الحي" وحامي البلاد.
ولم تكن "الهِنو" مجرد تحية بروتوكولية، بل حملت أيضًا بعدًا عسكريًا واضحًا؛ إذ كان الجنود والبحارة يؤدونها ضمن طقوس احتفالية أقرب إلى رقصة نصر جماعية، تجسد الجاهزية للقتال والدفاع عن مصر، وعن مبدأ "ماعت" الذي مثّل في الفكر المصري القديم قيم العدل والنظام والتوازن في مواجهة الفوضى.

بين الماضي والحاضر
ويرى مهتمون بالتراث المصري أن التشابه بين احتفالية محمد صلاح وبعض الصور المنقوشة لتحية "الهِنو" يفتح بابًا للتأمل في حضور الرموز الحضارية المصرية في الوجدان المعاصر، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا بصورة مباشرة.
فصلاح، الذي تحول إلى أحد أبرز سفراء مصر في العالم، اعتاد الاحتفال بأهدافه بحركة مميزة أصبحت علامة مسجلة باسمه، وهو ما دفع كثيرين إلى الربط بينها وبين تلك التحية الفرعونية القديمة، باعتبارها امتدادًا بصريًا لذاكرة حضارية عريقة.
حضارة تتجاوز الزمن
سواء كان هذا التشابه مقصودًا أم جاء مصادفة، فإن المقارنة تعكس مدى ثراء الحضارة المصرية القديمة، التي ما زالت رموزها وإشاراتها قادرة على إثارة النقاش واستحضار التاريخ حتى في أكثر المشاهد الرياضية حداثة.
فمن جدران المعابد في كيميت إلى ملاعب كرة القدم الأوروبية، يبقى التراث المصري حاضرًا في الوعي الجمعي، ويواصل إلهام الأجيال بصور ورموز تجاوزت حدود الزمن، لتؤكد أن الحضارات العظيمة لا تنتهي بانتهاء عصورها، بل تستمر في الظهور بأشكال جديدة، تحمل الروح نفسها وإن اختلفت الأزمنة.
إيران: إزالة الألغام في مضيق هرمز مسؤوليتنا ونرفض أي تدخل خار...
العطش يطارد غزة.. 70% عجز مائي ودمار واسع للبنية التحتية يهدد بكارثة إنسانية
