دخل الأردن على نحو غير مسبوق في دائرة التوترات العسكرية المتصاعدة في المنطقة، بعدما أعلن الجيش الأردني اعتراض وإسقاط ثلاثة صواريخ إيرانية من أصل أربعة كانت تستهدف مدينة العقبة جنوب المملكة، في تطور يسلط الضوء على اتساع نطاق المواجهة الإقليمية وتداعياتها على أمن الممرات الحيوية في الشرق الأوسط.

ويأتي هذا التطور في وقت تتواصل فيه المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مؤشرات على انتقال العمليات العسكرية إلى مسار أكثر اتساعًا يشمل دولًا ومواقع لم تكن طرفًا مباشرًا في الصراع.

اعتراض الصواريخ ونفي إغلاق المرافق الحيوية

أعلن الجيش الأردني أن منظومات الدفاع الجوي تمكنت من اعتراض ثلاثة صواريخ إيرانية وإسقاطها، فيما كان الصاروخ الرابع ضمن الهجوم الذي استهدف مدينة العقبة، دون الإعلان عن وقوع خسائر بشرية أو أضرار كبيرة.

وفي الوقت ذاته، نفت الحكومة الأردنية صحة الأنباء التي تحدثت عن إخلاء مطار الملك الحسين الدولي والميناء البحري في العقبة أو إغلاقهما، مؤكدة استمرار عمل المرافق الحيوية بصورة طبيعية.

وجاء هذا النفي بعدما أعلنت السفارة الأمريكية في الأردن إخلاء مطار الملك الحسين الدولي وميناء العقبة، استنادًا إلى ما وصفته بـ"تهديد محدد وموثوق"، الأمر الذي أثار حالة من القلق بشأن طبيعة التهديدات الأمنية في جنوب المملكة.

العقبة.. هدف يتجاوز البعد العسكري

يرى اللواء محمد الصمادي، محلل الشؤون العسكرية في التلفزيون العربي، أن استهداف مدينة العقبة يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد تنفيذ هجوم صاروخي، إذ يعكس انتقال إيران إلى مرحلة جديدة من التصعيد تقوم على توسيع مسرح العمليات جغرافيًا، بحيث لا يقتصر الضغط على القواعد الأمريكية في الخليج، وإنما يمتد إلى العقد اللوجستية الإقليمية ذات الأهمية الاستراتيجية.

وأوضح أن هذا التصعيد جاء بعد استمرار الضربات الأمريكية على إيران لليلة الثامنة على التوالي، إلى جانب التحذيرات الأمنية التي سبقت الهجوم، وهو ما يشير إلى أن العقبة أصبحت ضمن نطاق الاهتمام العملياتي الإيراني.

وأضاف أن توسيع نطاق العمليات الجوية يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة الأهداف، إذ باتت المرافق اللوجستية والموانئ الحيوية جزءًا من بنك الأهداف المحتملة، في محاولة لفرض ضغوط اقتصادية وأمنية تتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية.

أهمية استراتيجية للعقبة

وتحظى مدينة العقبة بأهمية استثنائية بالنسبة للأردن، فهي تضم الميناء البحري الوحيد للمملكة، إلى جانب مطار الملك الحسين الدولي، ما يجعلها مركزًا رئيسيًا لحركة التجارة وسلاسل الإمداد، فضلًا عن دورها في الربط التجاري مع دول المنطقة.

ويرى الصمادي أن أي استهداف لهذه المنشآت، حتى وإن لم يسفر عن أضرار مباشرة، يبعث برسائل تتعلق بإمكانية التأثير على حركة النقل البحري والجوي، ويزيد من الضغوط الأمنية والاقتصادية على الأردن.

وأشار إلى أن طبيعة التهديدات المحتملة قد تشمل صواريخ دقيقة أو طائرات مسيرة انتحارية أو حتى تهديد الملاحة في خليج العقبة، قبل أن تؤكد المعلومات الأولية أن الهجوم نُفذ باستخدام صواريخ اعترضتها الدفاعات الجوية الأردنية.

الأردن بين الحياد وضغوط الصراع

ورغم تأكيد الأردن المتكرر أنه ليس طرفًا في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وأن أراضيه لا تستخدم لتنفيذ عمليات عسكرية ضد طهران، فإن التطورات الأخيرة تضع المملكة أمام تحديات أمنية متزايدة، تفرض رفع مستويات الجاهزية الدفاعية وتعزيز منظومات الإنذار المبكر لحماية المنشآت الحيوية.

ويشير الصمادي إلى أن إيران تنظر إلى الدول التي تستضيف قواعد أو أشكالًا من التعاون العسكري مع الولايات المتحدة باعتبارها جزءًا من البيئة الداعمة للعمليات الأمريكية، وهو ما تستخدمه، وفق تقديره، مبررًا لتوسيع دائرة استهدافها لتشمل دولًا عربية.

وأضاف أن استهداف العقبة يندرج ضمن سياسة ممارسة الضغوط على المرافق الحيوية في المنطقة، معتبرًا أن طهران قد تلجأ، في ظل صعوبة استهداف القوات الأمريكية بصورة مباشرة، إلى توجيه ضربات نحو دول مجاورة مثل الكويت والبحرين والإمارات وسلطنة عُمان وقطر والأردن.

مرحلة جديدة من التصعيد

يعكس استهداف العقبة تحولًا لافتًا في طبيعة المواجهة الإقليمية، إذ لم تعد الضربات تقتصر على المواقع العسكرية أو القواعد الأمريكية، بل امتدت إلى منشآت لوجستية ذات تأثير اقتصادي واستراتيجي، وهو ما ينذر باتساع رقعة الصراع وارتفاع كلفته على دول المنطقة.

وفي ظل استمرار التصعيد بين واشنطن وطهران، تبدو المملكة الأردنية أمام اختبار أمني جديد، يفرض الحفاظ على توازنها السياسي، بالتوازي مع تعزيز قدراتها الدفاعية لحماية منشآتها الحيوية ومنع انتقال تداعيات الصراع إلى الداخل الأردني.

من الذاكرة إلى العدالة.. "أهوال" اسم يوثق إبادة غزة تاريخيًا

لبنان بين التصعيد الإسرائيلي وترتيبات ما بعد «اليونيفيل».. ال...