منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، تصدرت مصر المشهد الإقليمي والدولي في جهود احتواء الأزمة، عبر تحركات سياسية ودبلوماسية وإنسانية متوازية، استهدفت وقف نزيف الدم الفلسطيني، وتخفيف المعاناة الإنسانية في القطاع، والحيلولة دون تصفية القضية الفلسطينية أو فرض أي واقع جديد على الأرض.
ويستند الموقف المصري إلى ثوابت راسخة تعتبر القضية الفلسطينية جزءًا من الأمن القومي المصري، فضلاً عن الروابط التاريخية والجغرافية والقومية التي تجمع الشعبين المصري والفلسطيني، وهو ما جعل القاهرة تؤكد باستمرار أن موقفها تجاه فلسطين لم يكن يومًا خاضعًا لحسابات المصالح أو المساومات الإقليمية والدولية، ولم يتغير بتغير الحكومات أو السياسات.
تحرك سياسي ودبلوماسي مستمر
على مدار عقود، اتبعت مصر مسارًا سياسيًا ثابتًا في التعامل مع القضية الفلسطينية، بدأ منذ عام 1948، واستمر عبر دعم جهود التهدئة، ورعاية اتفاقات وقف إطلاق النار، والعمل على توحيد المواقف العربية في المحافل الدولية.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، كثفت القاهرة تحركاتها الدبلوماسية بالتنسيق مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وسعت إلى استصدار قرار من مجلس الأمن لوقف إطلاق نار مستدام، كما واصلت جهودها الهادفة إلى تحويل الاعترافات الدولية بدولة فلسطين إلى خطوات عملية تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي الوقت ذاته، شددت مصر على ضرورة التزام إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، بأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وضمان حماية المدنيين الفلسطينيين، ووقف السياسات والإجراءات الأحادية التي تؤدي إلى تصعيد العنف، وفي مقدمتها الاستيطان، وسياسات الإخلاء القسري، ومحاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني والديموغرافي في القدس الشرقية، إلى جانب رفض أي محاولات لفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة سياسيًا أو جغرافيًا.
المسار الإنساني.. شريان الحياة لقطاع غزة
بالتوازي مع التحركات السياسية، اضطلعت مصر بدور إنساني محوري، إذ تحول معبر رفح إلى المنفذ الرئيسي لإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وشملت شحنات الغذاء والدواء والوقود، بالتنسيق مع الهلال الأحمر المصري، بما ساهم في الحد من آثار الحصار وتخفيف الأزمة الإنسانية داخل القطاع.
كما شاركت القاهرة في جهود إجلاء الرعايا الأجانب، واستقبال المصابين الفلسطينيين لتلقي العلاج، إلى جانب تقديم الدعم اللازم للسلطة الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، والعمل مع الشركاء الدوليين لتخفيف معاناة المدنيين.
رفض حاسم لتهجير الفلسطينيين
مثّل رفض التهجير القسري للفلسطينيين أحد أبرز ثوابت السياسة المصرية خلال الحرب، حيث أعلنت القاهرة منذ الأيام الأولى للأزمة رفضها القاطع لأي مخططات تستهدف نقل سكان القطاع خارج أراضيهم أو فرض واقع ديموغرافي جديد، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات تمثل تصفية للقضية الفلسطينية.
وأكدت مصر تمسكها ببقاء الفلسطينيين على أرضهم، ورفضها محاولات فصل شمال قطاع غزة عن جنوبه، أو دفع السكان قسرًا نحو مناطق أخرى داخل القطاع أو خارجه، وهو موقف حظي بدعم عربي ودولي واسع، وأصبح أحد المرتكزات الأساسية في الجهود الرامية للتوصل إلى تسوية عادلة ومستدامة.
القاهرة تستضيف اجتماعات المرحلة الثانية
وفي إطار استمرار جهود الوساطة، تستعد القاهرة لاستضافة اجتماع يضم مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة الأمريكية، بهدف تأكيد التزام جميع الأطراف بتنفيذ بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك عقب موافقة حركة حماس والفصائل الفلسطينية على خارطة طريق هذه المرحلة.
ويأتي الاجتماع استكمالًا لخطة السلام التي تم التوافق عليها في شرم الشيخ بمشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي وعدد من قادة الدول، والتي تضمنت 20 بندًا، ركزت مرحلتها الأولى على وقف العمليات العسكرية، والإفراج عن الأسرى والمحتجزين، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
ترتيبات أمنية وإعادة الإعمار
وتتضمن المرحلة الثانية من الاتفاق بدء انتشار قوة دولية تتولى، بالتعاون مع قوة شرطة فلسطينية جديدة يتم اختيار عناصرها من قطاع غزة وتدريبها، مسؤولية حفظ الأمن داخل القطاع على المدى الطويل.
كما تنص الترتيبات المقترحة على تعاون هذه القوة مع مصر وإسرائيل لتأمين المناطق الحدودية، وتسهيل تدفق البضائع والمستلزمات اللازمة لإعادة إعمار غزة وإنعاشها اقتصاديًا، مع وضع آلية مشتركة لتسوية أي خلافات قد تنشأ بين الأطراف المعنية.
دور مستمر لإنهاء الأزمة
وتواصل مصر تحركاتها على المستويات السياسية والإنسانية والدبلوماسية، انطلاقًا من رؤيتها القائمة على ضرورة الوقف الفوري للحرب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير، والعمل على تسوية سياسية شاملة تفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، باعتبارها السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وإنهاء واحدة من أطول القضايا وأكثرها تعقيدًا في الشرق الأوسط.
الأردن يبحث مع البحرين والكويت تطورات التصعيد وضمان أمن هرمز
