لم يعد السؤال المطروح بعد حادث استهداف سفينتي التغويز داخل ميناء دمياط هو كيف وقع الهجوم، وإنما من أين انطلقت الطائرة المسيّرة التي نفذته؟ وبينما لا تزال التحقيقات الرسمية مستمرة، تتجه الأنظار إلى بقايا وحطام المسيّرة التي عُثر عليها في موقع الحادث، باعتبارها أحد أهم الأدلة الفنية التي قد تساعد في رسم خريطة التحرك وتحديد مسار الانطلاق، وربما تضييق دائرة الاشتباه بشأن الجهة المنفذة.
وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت، عقب انتهاء أعمال الفحص الأولية، أن الحريق الذي اندلع داخل ميناء دمياط نتج عن استهداف بطائرة مسيّرة، مؤكدة في الوقت ذاته استمرار التحقيقات الفنية والأمنية للوقوف على جميع ملابسات الواقعة، دون الإعلان حتى الآن عن الجهة المسؤولة.
ويؤكد متخصصون في التحقيقات الفنية أن حطام أي طائرة مسيّرة يمثل بمنزلة "بصمة إلكترونية"، إذ يحتوي غالبًا على معلومات يمكن الاستفادة منها في تحديد نوع الطائرة، وطريقة تشغيلها، وأنظمة التوجيه المستخدمة، بالإضافة إلى المكونات الإلكترونية التي قد تكشف بلد المنشأ أو الجهة المصنعة.
هل تكشف بقايا المسيّرة مسار الانطلاق؟
ويرى خبراء أمنيون أن تحليل أجزاء المسيّرة لا يقتصر على تحديد نوعها فقط، بل يمتد إلى دراسة مدى الطيران، ونظام الملاحة، وأسلوب الاتصال، وهو ما يساعد المحققين على تقدير النطاق الجغرافي المحتمل الذي انطلقت منه، سواء من البر أو البحر أو من منصة متحركة.
كما قد يكشف فحص وحدات التحكم أو بقايا أجهزة الملاحة والأقمار الصناعية المستخدمة عن تفاصيل تقنية تسهم في إعادة بناء مسار الرحلة، وربطها ببيانات الرادارات أو أنظمة المراقبة الجوية والبحرية، وهو ما يمثل خطوة مهمة في الوصول إلى صورة أكثر دقة عن كيفية تنفيذ العملية.
ورغم ذلك، يشدد متخصصون على أن الوصول إلى جهة الإطلاق لا يعتمد على قطعة الحطام وحدها، وإنما يتطلب الربط بين الأدلة الفنية، وبيانات الرصد، والتحريات الأمنية، والمعلومات الاستخباراتية، للوصول إلى نتائج دقيقة ومدعومة بالأدلة.
ميناء دمياط.. هدف استراتيجي يتجاوز حدود الميناء
ويكتسب الحادث أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لميناء دمياط، الذي يعد أحد أهم الموانئ المصرية المطلة على البحر المتوسط، ويضم منشآت حيوية مرتبطة بقطاع الطاقة، وفي مقدمتها وحدات التغويز وإسالة الغاز الطبيعي، التي تمثل عنصرًا رئيسيًا في منظومة الطاقة المصرية، فضلًا عن دورها في دعم صادرات الغاز إلى الأسواق الخارجية.
ويرى مراقبون أن استهداف هذا النوع من المنشآت لا يقتصر تأثيره على الجانب الأمني، بل يمتد إلى أبعاد اقتصادية وإقليمية، خاصة في ظل تنامي أهمية مصر كمركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة في شرق المتوسط.
التحقيقات مستمرة.. ولا إعلان رسمي عن المنفذ
وحتى الآن، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، كما لم تصدر السلطات المصرية نتائج نهائية بشأن هوية المنفذين أو نقطة انطلاق المسيّرة، مؤكدة أن التحقيقات لا تزال جارية لاستكمال الفحص الفني وتحليل جميع الأدلة.
ويرى خبراء أن الأسابيع المقبلة قد تكون حاسمة في مسار التحقيق، خاصة بعد الانتهاء من تحليل حطام المسيّرة ومطابقته مع قواعد البيانات الفنية والمعلومات الاستخباراتية، بما قد يفتح الباب أمام تحديد مصدر الطائرة وطبيعة الجهة التي تقف وراء العملية.
وبينما تبقى الأسئلة مفتوحة، يظل حطام المسيّرة أحد أبرز مفاتيح التحقيق، وقد يكون الدليل الذي يقود إلى فك لغز الهجوم، إذا ما نجحت الجهات المختصة في استخلاص ما يحمله من معلومات تقنية وأمنية.
