أعادت واقعة انتحال صفة قاضٍ إلى الواجهة تساؤلات عديدة حول تكرار جرائم انتحال الصفات الرسمية في مصر، ولماذا أصبحت بعض المهن والمناصب تحديدًا هدفًا للمحتالين. فهذه الجرائم لا تتوقف عند مجرد الادعاء الكاذب، بل تمتد في كثير من الأحيان إلى النصب والاحتيال والاستيلاء على الأموال أو استغلال المواطنين لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

من صفة القاضي إلى الطبيب والضابط.. كيف يستغل المنتحلون ثقة المواطنين؟
ولا تُعد واقعة انتحال صفة قاضٍ الأولى من نوعها، إذ شهدت السنوات الأخيرة ضبط عدد من المتهمين الذين انتحلوا صفات رسمية مختلفة، من بينها ضباط شرطة، وأفراد بالقوات المسلحة، وأطباء، ومحامون، وموظفون بجهات حكومية، مستغلين ما تمنحه هذه الصفات من هيبة وثقة لدى المواطنين.
ويؤكد متخصصون أن المحتال يختار دائمًا الصفة التي تمنحه أكبر قدر من النفوذ أمام ضحيته، فكلما ارتبطت الوظيفة بالسلطة أو العدالة أو الأمن أو الصحة، زادت فرص نجاح عملية الاحتيال، لأن كثيرًا من المواطنين يتعاملون معها بحسن نية ودون التحقق من هوية من يدعيها.
وتستهدف هذه الجرائم في الغالب إقناع الضحية بوجود نفوذ أو صلاحيات لا يملكها المنتحل، سواء لإنهاء إجراءات حكومية، أو حل مشكلات قانونية، أو تقديم خدمات طبية، أو تسهيل فرص عمل أو استثمارات، قبل أن يطلب مبالغ مالية أو بيانات شخصية أو مستندات رسمية.
ويجرم القانون المصري انتحال الصفات الرسمية، ويعتبره جريمة يعاقب عليها، خاصة إذا ارتبطت بوقوع وقائع نصب أو تزوير أو استغلال للوظيفة المزعومة، حيث تختلف العقوبات وفقًا لطبيعة الجريمة والنتائج المترتبة عليها، وقد تمتد إلى الحبس والغرامة، فضلًا عن العقوبات المقررة للجرائم الأخرى المرتبطة بها.
ويرى قانونيون أن مواجهة هذه الجرائم لا تعتمد فقط على العقوبات، وإنما تحتاج أيضًا إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي، لأن المحتال يعتمد في الأساس على ثقة الضحية واستعجالها في تصديق ما يقال لها دون التحقق.
ومن هنا، ينصح الخبراء بعدم التعامل مع أي شخص يدعي صفة رسمية دون التأكد من هويته، وطلب إثبات الشخصية أو الكارنيه الوظيفي عند الحاجة، وعدم تسليم أموال أو مستندات أو بيانات شخصية لأي شخص قبل التحقق من صفته عبر الجهات المختصة، مع سرعة إبلاغ أجهزة الأمن عند الاشتباه في أي محاولة لانتحال صفة رسمية.
وتؤكد الوقائع المتكررة أن جرائم انتحال الشخصية لم تعد تقتصر على الادعاء الكاذب، بل أصبحت وسيلة لارتكاب جرائم أكثر خطورة تستهدف أموال المواطنين وبياناتهم وثقتهم في مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل الوعي والتحقق المسبق خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الممارسات.
