أفادت وزارة الخارجية البيروفية عن تعرض أكثر من 130 من مواطنيها لعمليات احتيال ممنهجة اقتادتهم إلى جبهات القتال المشتعلة في شرق أوروبا، وهذا يكشف النقاب عن ظاهرة عابرة للقارات تحولت فيها أمريكا اللاتينية إلى إحدى أبرز الخزانات البشرية التي تغذي طرفي النزاع الروسي-الأوكراني.
ولم يعد الأمر مجرد حالات فردية معزولة، بل غدا شبكة معقدة ، للإتجار بالبشر ، وتجنيد المرتزقة ، تُديرها أطراف وشركات وسيطة ، تعمل لصالح المعسكرين المتقاتلين.
وكشفت تحقيقات استقصائية عميقة ، نشرت صحيفة "إل بايس" الإسبانية ، عن استغلال متزايد للأزمات الاقتصادية الخانقة في دول "الجنوب الإفريقي واللاتيني" ، للزج بمدنييها في الخطوط الأمامية للحرب المشتعلة.
فتحت إغراء عقود العمل المدنية، تجد عشرات العائلات أبناءها محاصرين بين نيران الطائرات المسيرة وشبكات التجنيد القسري.
وتتلخص آلية الاستدراج الروسية، كما وثقتها الشهادات الرسمية والبلاغات القنصلية والتحقيقات الاستقصائية، في نشر إعلانات عمل "مغرية وموهمة في آن واحد" ، عبر منصات التواصل الاجتماعي برواتب مغرية تتجاوز 3000 دولار شهرياً، لقاء شغل وظائف مدنية أو خدمية داخل الأراضي الروسية؛ كالطهي، والصيانة الكهربائية، أو الحراسة العادية.
غير أن الواقع الميداني يصدم الضحايا فور وصولهم؛ إذ يجري التحفظ على وثائق سفرهم وإرغامهم على توقيع عقود ملزمة صاغتها المؤسسة العسكرية باللغة الروسية.
وبحسب تسريبات صوتية وشهادات مسربة لمقاتلين محاصرين في إقليم دونباس والمناطق الحدودية، يتم تجريد هؤلاء العمال من حقوقهم ونقلهم مباشرة إلى خطوط النار الأولى دون إخضاعهم لأي تدريب عسكري يذكر، ليتحولوا عملياً إلى "وقود للمدافع"، على حدّ عبارة صحيفة "إل بايس" الإسبانية.
وتؤكد البلاغات أنّ أية محاولة للانسحاب أو المراجعة تواجَه فوراً بالتهديد المباشر بالتصفية الجسدية أو السجن بتهمة الخيانة العظمى والفرار من الخدمة.
و على الرغم من غياب إحصاء رسمي موحد يوثق الحركة البشرية العابرة للحدود، تشير التقديرات الاستخباراتية والاستقصائية المتقاطعة إلى أن عدد المقاتلين القادمين من أمريكا اللاتينية يناهز 20 ألف شخص، يتوزعون على جبهتي النزاع.
فبالنسبة للجانب الأوكراني، تؤكد بيانات الموقع الاستقصائي الكولومبي"The City Paper Bogotá" ، ومراكز أبحاث عسكرية ، وجود نحو 2000 مقاتل كولومبي يشاركون حالياً في الخطوط الأمامية للقتال.
وتذهب الإحصاءات ، إلى أنّ إجمالي من مروا على "الفيلق الدولي" ، التابع لكييف منذ عام 2022 ، يناهز 7 آلاف مقاتل، بلغت الخسائر المؤكدة في صفوفهم ما بين 300 و550 قتيلاً.
يُضاف إليهم ، مئات المقاتلين ، من البيرو، والبرازيل، والمكسيك ، الذين جرى دمجهم في وحدات المشاة ، للاستفادة من خبراتهم العسكرية السابق اكتسابها.
في المعسكر المقابل، تؤكد تقارير الاستخبارات العسكرية الأوكرانية ، تحديد هوية أكثر من 1000 مواطن كوبي ، وقعوا عقوداً قتالية مع الجيش الروسي ، مع تقديرات إجمالية ، تشير إلى أن أعداد المجندين الكوبيين ، تتراوح بين 5,000 و15,000 شخص.
وفي البيرو ، وثقت الخارجية البيروفية ، انخراط أكثر من 459 مواطناً في صفوف القوات الروسية، سقط منهم 11 قتيلاً وتأكد غياب 114 مفقوداً ، انقطعت أسباب التواصل معهم.
وتشكل هذه الأرقام المفزعة ، صدمة في الأوساط السياسية والحقوقية اللاتينية، كونها تكشف عن نمط جديد من أنماط التجارة بالبشر ، في القرن الحادي والعشرين، وتطرح تحدياً خطيراً للقوانين الدولية المؤسسة للمنظومة الحربية بين الدول المتصارعة.
ويري المراقبون والمحللون ، في الشأن اللاتيني ، ان تفشي هذه الظاهرة يرجع إلى محركين أساسيين: المحرك الأول يتجسد في العامل الاقتصادي الخانق ، إذ يُشكل المقابل المالي الذي يتراوح بين 2000 و5000 دولار شهرياً ، دافعاً محفزاً للارتماء في أحضان الحرب ، حيث يعادل هذا المبلغ أضعاف ما يتقاضاه المتقاعد العسكري أو العامل البسيط في كولومبيا أو البيرو أو كوبا.
أما المحرك الثاني فيتمثل في الكفاءة الميدانية المطلوبة ، حيث يمتلك أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ، السابقة ، في كولومبيا والبيرو ، تدريباً مكثفاً على حروب العصابات ، ومكافحة الإرهاب ، وحرب الخنادق ، وهي خبرات ميدانية نادرة ، تجعلهم هدفاً ثميناً لشركات التجنيد الدولية ، الراغبة في تعويض النزيف البشري الحاد على خطوط المواجهة.
في المحصلة، تفتح هذه القضية ، ملفاً جيوسياسياً وأمنياً معقداً ، يطال النزاع الروسي-الأوكراني من زاوية إنسانية قاتمة ، إذ تعكس اتساع رقعة الاعتماد على "تصدير المرتزقة" ، وسحب أبناء دول الجنوب العالمي ، عجزا عسكريا وميدانيا لدى الطرفين في مستوى "العدد والعُدّة والعتاد".
وأمام تصاعد استغاثات العائلات ، وفاجعة الآلاف من المفقودين والقتلى، تطالب المنظمات الحقوقية الحكومات اللاتينية ، بالتدخل الدبلوماسي العاجل لدى موسكو وكييف ، لتأمين ممرات آمنة للضحايا وتسهيل إجلائهم ، بالتوازي مع تحريك دعاوى جنائية دولية ، لملاحقة شبكات الوساطة والشركات الأهلية المتورطة في التضليل والإتجار بالبشر.
للمذيد قطر تنفي "مزاعم طهران" حول احتجازها طيارين ايرانيين
للمذيد الإظلام التام في السودان .. كيف يُجابه السودانيون انقطاع الكهرباء؟
