تتجه مؤسسات أوروبية إلى توسيع نطاق مراجعة التمويلات العامة التي حصلت عليها خلال السنوات الماضية جمعيات وهيئات أثارت لاحقًا شبهات بشأن وجود صلات لها بشبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، مع تركيز متزايد على آليات انتقال الأموال عبر المشروعات المشتركة والشركاء الفرعيين والاتحادات التي تضم أكثر من جهة.
وتفتح هذه المراجعات الباب أمام تدقيق أوسع لا يقتصر على اسم الجهة المستفيدة بصورة مباشرة، وإنما يمتد إلى شبكة العلاقات والهياكل التنظيمية المحيطة بها، بما في ذلك الشركاء والجهات التي تشارك في تنفيذ المشروعات الممولة من المال العام الأوروبي.
مراجعة آليات تمرير الأموال الأوروبية
وقال مسؤول أوروبي مطلع على ملفات الرقابة المالية في المفوضية الأوروبية إن العمل الحالي يركز على حالات ظهرت فيها، بعد صرف التمويلات، صلات أو علاقات لم تكن واضحة وقت اعتماد المنح.
وأوضح المسؤول أن الاهتمام بات منصبًا على معرفة ما إذا كانت بعض الجمعيات قد استفادت من أموال أوروبية من خلال شراكات مع كيانات أخرى، أو عبر برامج تتوزع فيها المسؤولية المالية والتنفيذية بين أكثر من طرف، بما قد يصعّب عملية تحديد المستفيد النهائي من التمويل.
وأشار إلى أن بعض الملفات التي تخضع للمراجعة تتعلق بمنح أغلقت محاسبيًا قبل سنوات، إلا أن معلومات ظهرت لاحقًا دفعت إلى إعادة فحص الإجراءات التي اتُبعت للتحقق من خلفيات المستفيدين والشركاء.
معلومات جديدة تعيد فتح ملفات تمويل قديمة
وأوضح المسؤول أن عمليات المراجعة تركز بصورة خاصة على الحالات التي قدمت فيها تقارير أمنية أو حكومية وطنية معلومات تختلف عن الصورة التي كانت متاحة أمام المؤسسات الأوروبية وقت اتخاذ قرار التمويل.
ولفت إلى أن المراجعة لا تتعلق فقط بالجهات التي حصلت على التمويل، وإنما تمتد إلى فعالية نظام التحقق نفسه، ومدى قدرته على اكتشاف الروابط غير المباشرة بين الكيانات المختلفة قبل وصول الأموال إليها.
وأضاف أن هذه المسألة تحظى باهتمام متزايد في ظل تصاعد الضغوط من جانب حكومات وبرلمانات أوروبية تطالب بربط التمويل العام بمعايير أكثر صرامة فيما يتعلق بملفات الإسلام السياسي.
ألمانيا وفرنسا تضعان بروكسل أمام فجوة التقييمات
وأشار المسؤول الأوروبي إلى أن ألمانيا وفرنسا قدمتا خلال الفترة الأخيرة نماذج دفعت بروكسل إلى التعامل بجدية أكبر مع الفجوة المحتملة بين القرارات المالية الأوروبية والتقييمات الأمنية والوطنية.
ورجح أن تمتد المراجعات إلى ملفات أخرى إذا تبين أن المشكلة لا ترتبط بحالات فردية، وإنما بطريقة تمرير الأموال عبر هياكل متعددة تجعل تتبع مسار التمويل والعلاقات بين الجهات المستفيدة أكثر صعوبة باستخدام آليات الرقابة الحالية.
تشديد تبادل المعلومات قبل منح التمويل
وأوضح أن أحد الاتجاهات المطروحة يتمثل في تعزيز تبادل المعلومات بين المفوضية الأوروبية والسلطات الوطنية قبل اعتماد بعض الشركاء في المشروعات الممولة، إلى جانب إعادة النظر في آليات المتابعة اللاحقة للتمويل عندما تظهر معلومات جديدة تتعلق بطبيعة المستفيد أو علاقاته التنظيمية.
ومن شأن هذا التوجه أن يرفع مستوى التدقيق المفروض على الجمعيات التي يُثار حولها جدل بشأن ارتباطها بشبكات الإخوان، خاصة إذا أصبحت مطالبة بتقديم إثباتات أكثر تفصيلًا حول استقلالها المالي والتنظيمي وعلاقاتها بالشركاء والكيانات الأخرى.
أسئلة برلمانية في ألمانيا وفرنسا حول التمويلات
وتأتي هذه التحركات في أعقاب سلسلة من الأسئلة البرلمانية في ألمانيا وفرنسا بشأن جمعيات سبق أن حصلت على أموال عامة قبل ظهور تقارير لاحقة تتحدث عن صلات لها بدوائر مرتبطة بالإخوان.
ومن بين الملفات التي عادت إلى دائرة الاهتمام ملفات تتعلق بـ«الإغاثة الإسلامية» وشبكتها الأوروبية، في وقت أعادت فيه البرلمانات الوطنية خلال أغسطس طرح تساؤلات حول مدى اطلاع الجهات التي منحت التمويلات على التقييمات الأمنية المتاحة وقت اتخاذ قرارات الدعم.
وأدى ذلك إلى وضع إجراءات الرقابة السابقة على منح التمويلات العامة تحت تدقيق سياسي ومؤسسي أكبر، خصوصًا فيما يتعلق بمدى كفاية المعلومات التي يتم الاعتماد عليها قبل إقرار أي منحة أو إدراج جهة ضمن مشروع ممول أوروبيًا.
الشراكات المتعددة تصعب تتبع المستفيد النهائي
ويكتسب الملف أهمية إضافية في ظل طبيعة آليات التمويل الأوروبية، إذ لا تصل نسبة كبيرة من الأموال إلى الجمعيات من خلال منح منفردة ومباشرة، وإنما تأتي ضمن مشروعات تضم اتحادات وشركاء ومتعاقدين فرعيين، الأمر الذي يزيد من تعقيد عملية تتبع المستفيد النهائي.
وتثير هذه الآلية تساؤلات حول مدى قدرة أنظمة الرقابة الحالية على تحديد جميع الجهات والأطراف المستفيدة من التمويل، خصوصًا عندما تتوزع الأدوار والمسؤوليات المالية والتنفيذية بين عدد كبير من الكيانات.
كما قد تتيح هذه الهياكل للجهات المرتبطة بشبكات أوسع الاستفادة من التمويلات العامة دون أن يظهر اسمها بصورة مباشرة في واجهة المشروع أو الجهة التي تتلقى المنحة رسميًا.
لورينزو فيدينو: التدقيق يتجه نحو البنية المؤسسية
ويرى لورينزو فيدينو، مدير برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن والمتخصص في دراسة شبكات الإخوان في الغرب، أن المرحلة المقبلة في أوروبا قد تشهد تركيزًا أكبر على تفكيك البنية المؤسسية التي تسمح للجماعة بالعمل من خلال جمعيات منفصلة قانونيًا، لكنها قد تكون مرتبطة ببعضها على المستويين السياسي والاجتماعي.
وأوضح فيدينو، في تصريحات لـ«إرم نيوز»، أن جوهر المشكلة يكمن في وجود شبكة واسعة يمكن أن تستخدم تعدد الأسماء والوظائف والهياكل القانونية لتقليل وضوح الروابط بين المؤسسات والأشخاص.
تدقيق أوسع في مجالس الإدارة والشراكات
وأشار فيدينو إلى أن الحكومات الأوروبية أصبحت أكثر اهتمامًا بالتمييز بين النشاط الخيري المشروع وبين استخدام العمل الأهلي كوسيلة لبناء نفوذ اجتماعي وسياسي على المدى الطويل.
وبحسب هذا الاتجاه، من المتوقع أن تتجه مؤسسات التمويل إلى إجراء تدقيق أكثر عمقًا في مجالس إدارات الجمعيات، والعلاقات الشخصية بين القائمين عليها، والشراكات الدولية، إلى جانب مصادر التمويل الأخرى، قبل اتخاذ قرارات جديدة بشأن تقديم الدعم.
التمويل العام أمام مرحلة جديدة من الرقابة
واعتبر فيدينو أن استمرار الضغوط الأوروبية بهذا الاتجاه يمكن أن يؤدي إلى تغيير البيئة التي استفادت منها شبكات الإخوان خلال العقود الماضية، خاصة إذا أصبح الحصول على المال العام مرتبطًا بدرجة أكبر من الشفافية بشأن العلاقات التنظيمية والسياسية.
كما أن الجمعيات التي تعتمد على الفصل القانوني بين كيانات متعددة قد تواجه تدقيقًا أكثر صرامة، إذا انتقلت الرقابة من مجرد فحص الاسم القانوني المسجل للجهة المتقدمة للحصول على التمويل إلى دراسة الروابط الفعلية بين الأشخاص والمؤسسات والمشروعات.
وبذلك، يبدو أن ملف التمويل الأوروبي يتجه إلى مرحلة جديدة لا تكتفي بالتأكد من سلامة الإجراءات المحاسبية، وإنما تركز كذلك على خريطة العلاقات المؤسسية والتنظيمية المحيطة بالجهات المستفيدة، بما يضع آليات الرقابة على المال العام أمام اختبار أكثر تعقيدًا في مواجهة شبكات العمل الأهلي ذات الهياكل المتعددة.
للمذيد أزمة سبتة تتصاعد.. المغرب يطالب إسبانيا بوضوح الإجراءات بشأن القاصرين والجثامين
للمذيد ما لم تحسمه الحرب قد يحسمه الاقتصاد.. رهان جديد تقوده وامريكا لكسر ايران
