مع اقتراب كل عام دراسي جديد، تتكرر المشاهد نفسها أمام محلات الأدوات المدرسية ومعارض الملابس: طوابير من أولياء الأمور يحملون قوائم مطولة، وحسابات ذهنية سريعة تحاول موازنة الاحتياج بالميزانية المتاحة. لكن الرقم الذي يتردد عادة في هذه المواسم -سعر الشنطة أو طقم الزي- لا يمثل سوى الواجهة الظاهرة لفاتورة أعمق وأكثر تعقيدًا، تمتد من الأدوات المدرسية إلى المواصلات، ومن الكتب الخارجية إلى الدروس الخصوصية التي باتت في كثير من البيوت بندًا لا يقل ثقلًا عن المصروفات الدراسية نفسها.
فما الذي تدفعه الأسرة المصرية فعليًا، بندًا بندًا، لتجهيز طفل واحد لعام دراسي كامل؟
الزي المدرسي.. بند متكرر لا ينتهي بقطعة واحدة
لا تزال أسعار الزي المدرسي للمدارس الحكومية للعام الدراسي الجديد في طور الاعتماد الرسمي في بعض المحافظات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الأسعار الاسترشادية للعام الماضي كمرجع تقريبي، والتي راوحت بين نحو 130 جنيهًا للتيشيرت بكم و175 جنيهًا للبنطلون في إحدى المراحل الدراسية، إضافة إلى نحو 10 جنيهات لشارة "البادج" المدرسي. وتوضح الجهات التعليمية أن أسعار الزي في المدارس الحكومية لا تتجاوز حدًّا استرشاديًّا معلنًا لكل مرحلة، بهدف تخفيف العبء عن الأسر.
غير أن الرقم المعلن نادرًا ما يعكس الفاتورة الفعلية؛ إذ تفضّل غالبية الأسر شراء أكثر من طقم واحد لضمان الاستخدام اليومي طوال العام، كما تختلف الأسعار اختلافًا واسعًا بين المدارس الحكومية والخاصة تبعًا لنوع الخامة والتصميم المعتمد من كل مدرسة، ما يجعل هذا البند وحده قابلًا للتضاعف عدة مرات بحسب عدد القطع المطلوبة.
من الشنطة إلى الكراسة.. فاتورة "السبلايز" وحدها بالآلاف
بعيدًا عن الزي، تشير حسابات تعتمد على متوسطات أسعار الأدوات المدرسية في المكتبات ومنافذ البيع إلى أن الأسرة تحتاج نحو 1200 جنيه في المتوسط لتغطية المستلزمات الأساسية لطالب واحد بالمرحلة الابتدائية فقط -من الشنطة إلى الكراسات والأقلام والأدوات المكتبية- دون احتساب الزي المدرسي أو الكتب الخارجية أو الأحذية أو المصروفات الدراسية ذاتها.
وتضاف إلى ذلك فاتورة الكتب المدرسية التي حددت وزارة التربية والتعليم أسعار باقاتها للمدارس الخاصة واليابانية والقومية والدولية للعام الدراسي الجديد، بحيث تبدأ من 300 جنيه لمرحلة رياض الأطفال، وترتفع إلى 400 جنيه لصفوف المرحلة الابتدائية الأولى، ثم إلى 550 جنيهًا للصفوف الأعلى منها، لكل فصل دراسي على حدة، أي أن الرقم يتضاعف تقريبًا على مستوى العام الدراسي الكامل بفصليه.
المواصلات.. الفاتورة الشهرية التي تتضخم بصمت
في وقت لا توفر فيه كل مدرسة خدمة نقل داخلية، تلجأ أسر كثيرة إلى وسائل بديلة، أبرزها اشتراكات "الأتوبيسات" الخاصة أو السيارات التي تقودها أمهات لتوصيل أطفالهن وأطفال الجيران مقابل اشتراك شهري. وتشير معطيات السوق إلى أن هذا الاشتراك يراوح بين 1100 و1500 جنيه شهريًا، تبعًا للمسافة الفاصلة بين المنزل والمدرسة، وهو ما يعني أن هذا البند وحده قد يلتهم -على مدار عام دراسي كامل من نحو تسعة أشهر- ما يتجاوز 10 آلاف جنيه لطفل واحد، في أسرة تعتمد على هذه الخدمة يوميًّا.
الدروس الخصوصية.. البند الأثقل في الميزانية
يظل ملف الدروس الخصوصية الأكثر إثارة للجدل بين أولياء الأمور، ليس فقط بسبب حجم إنفاقه، بل لأنه بند متجدد شهريًّا طوال العام الدراسي، لا يُدفع مرة واحدة كالزي أو الأدوات. وتتفاوت الأسعار بشكل كبير بين المدن والريف، وبين المجموعات الكبيرة والصغيرة والدروس الفردية؛ فبينما تنخفض تكلفة الدرس الشهري في بعض القرى إلى ما بين 60 و70 جنيهًا لكامل الشهر في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، ترتفع الحصة الواحدة في المدن إلى ما بين 80 و120 جنيهًا في مجموعات المرحلة الإعدادية الكبيرة، وتصل إلى 150–250 جنيهًا في المجموعات الصغيرة، و300–450 جنيهًا للدرس الفردي.
وعلى مستوى الفاتورة الشهرية الإجمالية، تكشف حالات فعلية عن نماذج متفاوتة: طالب في المرحلة الابتدائية يحتاج نحو 500 جنيه شهريًّا مقابل درسين فقط في الرياضيات واللغة الإنجليزية، فيما يدفع طالب بالمرحلة الإعدادية نحو 1200 جنيه شهريًّا مقابل ثلاث مواد، وترتفع الفاتورة إلى 1800 جنيه شهريًّا لطالبة في المرحلة الثانوية. وتشير تقديرات قطاعية إلى أن حجم إنفاق الأسر المصرية على الدروس الخصوصية بلغ نحو 780 مليون دولار في 2024، ومن المتوقع أن يقترب من 931 مليون دولار خلال 2026، في مؤشر على اتساع هذا البند عامًا بعد عام رغم الضغط الاقتصادي على دخول الأسر.
الأنشطة الإضافية.. البند الذي يُضحّى به أولًا
على عكس الزي والأدوات والدروس، تُصنَّف الأنشطة الرياضية والفنية والترفيهية -من اشتراكات الأندية إلى المراكز الصيفية والدورات التدريبية- ضمن البنود "المرنة" في ميزانية الأسرة، وهي أول ما يتم تقليصه أو الاستغناء عنه عند الضغط المالي. ومع ذلك، فإن الأسر التي تُبقي على هذا البند غالبًا ما تجد نفسها أمام مدى واسعًا من الأسعار يتوقف على نوع النشاط ومستوى الجهة التي تقدمه، من مراكز الشباب الحكومية منخفضة التكلفة نسبيًّا، إلى الأندية والمراكز الخاصة التي قد تتجاوز اشتراكاتها الشهرية ما يُنفق على بنود أساسية أخرى مجتمعة.
فاتورة تقريبية لطفل واحد
بجمع البنود الأساسية على مدار عام دراسي كامل لطفل واحد في مرحلة ما قبل الثانوية -زي مدرسي متعدد القطع، وأدوات مكتبية أساسية، وحزمة كتب فصلية، ومواصلات شهرية، ودرسين أو ثلاثة دروس خصوصية أسبوعيًّا- تقترب الفاتورة الإجمالية التقديرية من نحو 15 إلى 20 ألف جنيه، وقد تتجاوز هذا الرقم بوضوح في حال الاعتماد على مواصلات خاصة يوميًّا، أو توسيع عدد مواد الدروس الخصوصية، أو إضافة نشاط رياضي أو فني منتظم. وتتضاعف الفاتورة بطبيعة الحال في الأسر التي لديها أكثر من طفل في مراحل تعليمية مختلفة، بينما تنخفض بشكل ملحوظ في الأسر التي تسكن قرب المدرسة أو تعتمد على المذاكرة المنزلية بدلًا من الدروس الخصوصية.
يبقى السؤال مطروحًا: هل ما زال التعليم الحكومي، بمصروفاته الرمزية نظريًّا، يمثل بديلًا حقيقيًّا خفيف العبء على الأسرة المصرية، أم أن شبكة البنود الموازية -من الدروس إلى المواصلات- حوّلته إلى نسخة أخرى من الإنفاق الموازي الذي تعيشه الأسر في التعليم الخاص، دون أن تحصل بالضرورة على الجودة نفسها؟
