خارج أسوار القاهرة الفاطمية العتيقة، وتحديداً عند الضلع الشمالي حيث باب النصر، يقف التاريخ شاهداً على بقعة من أطهر بقاع "مصر المحروسة"، حيث تعانق النفحات الروحية مدافن العظماء، هناك، تبرز قبة السيدة زينب الحنفية كمعلم روحي وتاريخي فريد، تحيط به من الشرق مقبرة السادة الصوفية، لتشكل هذه المنطقة مجتمعة دفتراً مفتوحاً يروي فصولاً من تاريخ العلم والتصوف والنسب الشريف في مصر الإسلامية.

مقبرة الصوفية.. هنا يرقد ابن خلدون والمقريزي وابن هشام

تعود جذور مقبرة السادة الصوفية إلى مطلع القرن الثامن الهجري، حيث أنشأها السلطان المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير في حدود عام 708 هـ / 1308 م. ولم تكن هذه المقبرة مجرد مدافن عادية، بل تحولت على مر العصور إلى مثوى أخير لجمهرة من أكابر العلماء والمفكرين والأولياء الصالحين.

وعلى بعد خطوات معدودة من القبة الزينبية، رقدت أجساد طالما أنارت العقول؛ وفي مقدمتهم مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون، وعميد مؤرخي مصر الإسلامية الشيخ تقي الدين المقريزي، والإمام ابن زقاعة، بالإضافة إلى جهبذ اللغة والنحو ابن هشام النحوي، ليتحول هذا الثرى إلى مستودع لتاريخ الأمة الفكري واللغوي.

نسب شريف يمتد إلى الإمام علي كرم الله وجهه

تنتسب القبة التاريخية إلى إحدى "الزينبات" الشهيرات اللاتي شرفت مصر بإقامتهن بها، وهي الشريفة السيدة زينب بنت أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن محمد بن الحنفية. ويمتد نسبها الشريف إلى جدها سيدنا الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

ويذكر التاريخ أن جدها، سيدنا محمد بن الحنفية، هو الأخ غير الشقيق لسيدي شباب أهل الجنة، السبطين الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام، وقد نُسب إلى والدته السيدة خولة بنت جعفر الحنفية تمييزاً له عن إخوته لجهة الأب.

رحلة مباركة إلى مصر وتاريخ القبة الطينية

وكانت السيدة زينب الحنفية قد قدمت إلى أرض مصر مع شقيق لها يُدعى محمد في عام 312 هـ / 923 م، حيث عاشت في ظلال النيل عابدة زاهدة، حتى وفاتها في عام 329 هـ / 940 م.

ودُفنت السيدة الشريفة أسفل هذه القبة التي بُنيت في الأصل من الطوب اللبن، وهو ما يعكس بساطة العمارة المبكرة في تلك الحقبة. وعقب وفاتها، تسابق الأمراء والأعيان والأهالي عبر القرون على دفن موتاهم بجوارها، التماساً للبركة والقرب من آل البيت الأطهار.

من "التعبد" إلى "المقبرة".. قصة "معبد الست زينب" في عيون المؤرخين

في الموروث الشعبي القاهري، تُعرف هذه القبة بين العامة باسم "معبد الست زينب". وتعود هذه التسمية إلى أن السيدة الشريفة اتخذت من هذا المكان محراباً للاعتكاف والتعبد والتبتل إلى الله عز وجل خلال حياتها، فلما توفيت ودُفنت في نفس موضع تعبدها، أطلق عليه الناس "المعبد".

وقد حظي هذا المقام الرفيع باهتمام وتوثيق كبار المؤرخين والعلماء عبر العصور؛ حيث أفاض في ذكره وتوثيق تاريخه كل من المقريزي في خططه، والإمام السخاوي، وموفق الدين بن عثمان. وفي العصر الحديث، وثقها رائد التصوف الإسلامي مولانا الإمام الشيخ محمد زكي إبراهيم في كتابه المرجعي "مراقد أهل البيت في القاهرة"، مؤكداً على المكانة الروحية والتاريخية الراسخة لهذا المقام في قلوب أهل مصر.