قال اللواء عادل العمدة الخبير العسكري والإستراتيجي، أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى مصر تكتسب أهمية خاصة، باعتبارها أول زيارة له إلى القاهرة منذ يناير 2016، في خطوة تعكس حرص البلدين على مواصلة تطوير العلاقات المصرية–الصينية والارتقاء بها إلى مستويات أكثر شمولًا، بالتزامن مع التحولات المتسارعة التي يشهدها النظامان الدولي والإقليمي.
وأضاف "العمدة، في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة"، من المقرر أن تمثل الزيارة محطة مهمة في مسار الشراكة بين القاهرة وبكين، ليس على المستوى الثنائي فقط، وإنما في إطار توجه البلدين نحو تعزيز التعاون في ملفات الاقتصاد والاستثمار والتصنيع والطاقة والنقل والتكنولوجيا، إلى جانب بحث عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وتابع "العمدة"، من المتوقع أن تتناول مباحثات الرئيس شي جين بينغ مع الرئيس عبد الفتاح السيسي آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري، ومشروعات البنية الأساسية، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلًا عن التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والنقل، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية.
ونوهه الخبير العسكري والإستراتيجي، أن الزيارة تأتي في ظل توسع العلاقات المصرية–الصينية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق، التي أسهمت في زيادة حضور الشركات والاستثمارات الصينية في عدد من المشروعات المصرية الكبرى.
من التجارة إلى الشراكة الاستثمارية والصناعية
وأكد "العمدة"، أن العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين شهدت خلال الفترة من 2016 إلى 2026 تحولًا ملحوظًا، حيث انتقلت تدريجيًا من التركيز على التجارة والمشروعات المنفردة إلى شراكة أكثر استراتيجية في مجالات الاستثمار والتصنيع والإنتاج والتصدير وسلاسل الإمداد.
وأوضح "العمدة"، تبرز منطقة تيدا الصينية في العين السخنة باعتبارها أحد أهم النماذج على تطور الحضور الاستثماري الصيني في مصر، حيث ضمت المنطقة بنهاية عام 2025 نحو 200 شركة، باستثمارات تجاوزت 3.8 مليار دولار، ووفرت قرابة 10 آلاف فرصة عمل، وفق بيانات رسمية صينية.
وتابع "العمدة"، كما أعلن رئيس المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أن الاستثمارات التي نجحت المنطقة في جذبها خلال السنوات الثلاث والنصف السابقة بلغت نحو 11.6 مليار دولار، مشيرًا إلى أن المستثمرين الصينيين يمثلون نحو نصف هذه الاستثمارات.
واستطرد "العمدة"، وفي ديسمبر 2025، وقعت شركة تيدا مصر اتفاقات مع ثلاث شركات صينية لإنشاء مجمعات صناعية متخصصة في إنتاج الألياف الصناعية والإطارات والمنتجات الصحية، بإجمالي استثمارات يقدر بنحو 1.15 مليار دولار، بما يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو توطين الصناعة وزيادة الإنتاج والتصدير من السوق المصرية.
ونوه "العمدة"، أن التحول في العلاقات الاقتصادية لا يقتصر على حجم الاستثمارات، وإنما يمتد أيضًا إلى طبيعة التمويل الصيني في مصر، إذ تشير دراسات حديثة إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني منذ عام 2022، مع تركّز متزايد في قطاعات التصنيع والطاقة والصناعات التحويلية، بالتوازي مع تراجع الاعتماد على القروض الصينية التقليدية.
وأكد الخبير العسكري والإستراتيجي، أنه لم تعد الصين بالنسبة لمصر مجرد مصدر للواردات أو ممول لبعض المشروعات، وإنما أصبحت شريكًا في الإنتاج والتصنيع والتصدير وسلاسل الإمداد، خاصة في منطقة قناة السويس التي تمثل نقطة التقاء مهمة بين الأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية.
دعم سياسي واستقلالية القرار المصري
وقال "العمدة"، لا تقتصر أهمية العلاقات المصرية–الصينية على الجانب الاقتصادي، إذ تحمل الشراكة بين البلدين أبعادًا سياسية واستراتيجية متزايدة، مؤكدًا أن الصين قد أكدت خلال السنوات الأخيرة دعمها لمصر في حماية سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية، واحترام حقها في اختيار مسارها السياسي والتنموي، مع التأكيد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وأضاف "العمدة"، أنه في يناير 2024، أعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي دعم بلاده لمصر في حماية سيادتها وأمنها، وانتهاج سياسة خارجية مستقلة، وهو ما يعكس طبيعة التنسيق السياسي المتنامي بين البلدين، مؤكدًا أن بكين قد دعمت الموقف المصري الرافض للتهجير القسري للفلسطينيين، وأعلنت تأييدها للخطة العربية التي قادتها مصر لإعادة إعمار قطاع غزة، مع التأكيد على مبدأ أن "الفلسطينيين يحكمون فلسطين" ودعم حل الدولتين.
وتابع "العمدة"، يمنح هذا الموقف القاهرة مساحة أوسع للتحرك السياسي، خاصة أن الصين عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، بما يجعل دعمها للمواقف والمبادئ التي تتبناها مصر في القضايا الإقليمية عنصرًا مهمًا في حسابات السياسة الخارجية المصرية.
سد النهضة.. دعم للحوار دون اصطفاف كامل
وفي ملف سد النهضة والخلافات المصرية–الإثيوبية، قال الخبير العسكري، أن الصين لم تتبنَّ بصورة صريحة الموقف المصري، لكنها أكدت استعدادها للقيام بدور بنّاء، ودعت مصر وإثيوبيا والسودان إلى تسوية الخلافات من خلال الحوار والتفاوض، والتوصل إلى حل مقبول من الأطراف المعنية.
وبالتالي يمكن وصف الموقف الصيني في هذا الملف بأنه دعم لمسار الوساطة والتفاوض، وليس اصطفافًا كاملًا مع القاهرة، وهو ما يتسق مع النهج الصيني القائم على الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف في القارة الأفريقية.
مصر في الرؤية الصينية
وقال "العمدة"، أن بكين تنظر إلى مصر باعتبارها دولة ذات ثقل عربي وأفريقي وإسلامي ونامية، وتمتلك موقعًا جيوسياسيًا مهمًا في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، منوهآ انه في المقابل، ترى القاهرة في الصين شريكًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا قادرًا على المساهمة في تحقيق أهداف التنمية الوطنية، وتنويع مصادر الاستثمار والتكنولوجيا، وزيادة القدرات الإنتاجية والتصديرية.
وتابع "العمدة"، كما دفعت الصين باتجاه تعزيز الدور المصري في أطر التعاون متعددة الأطراف، بما في ذلك مجموعة بريكس، والتعاون الصيني–العربي والصيني–الأفريقي، في إطار توجه أوسع لتعزيز دور دول الجنوب العالمي في النظام الدولي.
وأوضح "العمدة"، أنه خلال لقاءات الرئيسين المصري والصيني، أكدت بكين دعمها لمصر في حماية مصالحها السيادية والأمنية والتنموية، وربطت هذا الدعم بأهمية تعزيز صوت دول الجنوب العالمي وزيادة التعاون بين الدول النامية.
شراكة تتجاوز الاقتصاد
وأكد "العمدة"، أن العلاقات المصرية–الصينية تعكس في الوقت الراهن تبادلًا واضحًا للمصالح؛ فبينما يوفر الاستثمار الصيني لمصر أدوات إضافية لدعم التنمية وتوطين الصناعة وتنويع الشركاء الاقتصاديين، يوفر الدعم السياسي الصيني للقاهرة هامشًا أوسع للحركة في ظل نظام دولي يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية القطبية.
ونوه "العمدة"، أنه في المقابل، تدعم مصر مبدأ الصين الواحدة، إلى جانب مواقف صينية تعتبرها بكين من مصالحها الأساسية، بما يعزز مفهوم الدعم المتبادل بين البلدين في عدد من القضايا الاستراتيجية، مؤكدًا أن زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى القاهرة، في هذا السياق، تكتسب دلالة تتجاوز كونها زيارة ذات طابع اقتصادي، إذ يمكن أن تشكل دفعة جديدة للعلاقات الثنائية، وتؤكد انتقالها من مجرد التعاون الاقتصادي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين الاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا والطاقة والنقل والتعاون السياسي.
واختتم اللواء عادل العمدة "الخبير العسكري والإستراتيجي، تصريحه مؤكدًا أن الزيارة تعكس أهمية الموقع المصري بالنسبة للصين، في ظل الدور الذي تلعبه مصر في قناة السويس والبحر الأحمر والشرق الأوسط وأفريقيا، في وقت تسعى فيه بكين إلى توسيع شراكاتها مع دول الجنوب العالمي، مضيفآ: فإن أهمية الزيارة لا تتوقف عند الاتفاقيات أو المشروعات التي قد تنتج عنها، وإنما تمتد إلى قدرتها على ترسيخ الشراكة المصرية–الصينية كأحد مرتكزات السياسة الخارجية المصرية المتوازنة، وتعزيز مكانة القاهرة باعتبارها حلقة وصل استراتيجية بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
