مع اقتراب نهاية عام 2026،تدخل عدة قوى دولية وإقليمية مرحلة انتخابية مزدحمة تمتد آثارها إلى ما بعد حدودها الوطنية، وتعيد تشكيل اتجاهات السياسة الداخلية والتحالفات الخارجية خلال عام 2027. فمن موسكو إلى برازيليا، مرور بتل أبيب وواشنطن، تتجه ملايين الأصوات إلى صناديق الاقتراع في استحقاقات تختلف طبيعتها، لكنها تتقاطع عند سؤال واحد: من سيملك القدرة على رسم المرحلة المقبلة؟
ويبدأ الموسم الانتخابي في روسيا خلال سبتمبر، قبل أن تنتقل الأنظار إلى البرازيل وإسرائيل في أكتوبر، ثم إلى الولايات المتحدة في نوفمبر. وبين انتخابات برلمانية ورئاسية ونصفية، سيكون الناخبون أمام خيارات لا تتعلق فقط بتغيير الحكومات أو تجديد البرلمانات، بل باختبار مشاريع سياسية متنافسة في لحظة تشهد اضطرابات دولية وتحولات متسارعة في موازين القوى.
روسيا واختبار الخريطة البرلمانية
تفتتح روسيا موسم الانتخابات الكبرى بإجراء انتخابات مجلس الدوما خلال الفترة من 18 إلى 20 سبتمبر، لاختيار أعضاء المجلس الأدنى للجمعية الفيدرالية.
ويتألف مجلس الدوما من 450 نائب، يُنتخب نصفهم، بواقع 225 عضو، عبر الدوائر الفردية، فيما ينتخب النصف الآخر وفق نظام القوائم الحزبية والتمثيل النسبي على المستوى الفيدرالي.
وتكتسب الانتخابات أهمية خاصة بالنظر إلى الدور التشريعي لمجلس الدوما في النظام السياسي الروسي، إذ يمثل أحد مجلسي البرلمان إلى جانب مجلس الاتحاد، ويتولى إقرار القوانين الاتحادية ومناقشة السياسات العامة.
ويعكس النظام الانتخابي المختلط محاولة الجمع بين التمثيل الجغرافي المباشر والتمثيل الحزبي، لكنه يظل محكوم ببيئة سياسية تشهد قيودًا واسعة على المعارضة والمنافسة السياسية، الأمر الذي يجعل نتائج الانتخابات اختبار لمدى قدرة القوى السياسية القائمة على الحفاظ على مواقعها داخل المؤسسة التشريعية.
وفي ظل التحولات التي شهدتها روسيا خلال السنوات الأخيرة، تكتسب تركيبة البرلمان المقبل أهمية تتجاوز توزيع المقاعد، باعتبارها مؤشر على اتجاه السياسة الداخلية وقدرة السلطة على إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في المرحلة المقبلة.
البرازيل لولا في مواجهة إرث بولسونارو
بعد أسابيع قليلة، تتجه الأنظار إلى البرازيل، حيث يستعد نحو 159 مليون ناخب للمشاركة في انتخابات عامة يوم 4 أكتوبر، في واحدة من أكبر العمليات الانتخابية في العالم.
ويخوض الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، البالغ من العمر 80 عامًا، السباق ساعيًا إلى ولاية جديدة ستكون الرابعة في مسيرته السياسية، في مواجهة معسكر اليمين الذي يمثل أبرز وجوهه هذه المرة فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو.
وتعيد المواجهة إلى الأذهان الاستقطاب السياسي الحاد الذي شهدته البرازيل خلال الانتخابات السابقة بين لولا وبولسونارو، لكن السباق الجديد يأتي في ظروف مختلفة، خاصةً مع غياب الرئيس السابق عن المنافسة المباشرة وقضائه عقوبة بالسجن على خلفية اتهامات بمحاولة انقلاب.
ولا تقتصر الانتخابات على اختيار رئيس ونائب للرئيس، إذ سيصوت البرازيليون كذلك لاختيار 54 عضو من أصل 81 في مجلس الشيوخ، وجميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 513 نائب، إلى جانب حكام الولايات ومجالسها التشريعية.
ويشترط النظام الانتخابي حصول المرشح الرئاسي على أكثر من 50% من الأصوات الصحيحة لحسم السباق من الجولة الأولى، وإلا ينتقل المرشحان الحاصلان على أعلى الأصوات إلى جولة إعادة في 25 أكتوبر.
وتحظى الانتخابات البرازيلية باهتمام دولي يتجاوز حدود أميركا اللاتينية، بالنظر إلى موقع البلاد باعتبارها أكبر اقتصاد في المنطقة وأحد أبرز أعضاء مجموعة «بريكس»، ما يجعل هوية الإدارة المقبلة عامل مؤثر في توجهات السياسة الخارجية البرازيلية وعلاقاتها بالقوى الكبرى.
إسرائيل ومعركة الـ61 مقعد
وفي 27 أكتوبر، تدخل إسرائيل واحدة من أكثر انتخاباتها تعقيداً ، إذ يتوجه الناخبون لاختيار أعضاء الكنيست ال120 وسط انقسام سياسي حاد يضع مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في قلب المعركة.
ولا تبدو الانتخابات مجرد منافسة بين أحزاب، بل اختبار لمستقبل نتنياهو السياسي بعد سنوات طويلة من الهيمنة على المشهد، وفي ظل تداعيات هجوم السابع من أكتوبر والحروب التي أعقبته، إلى جانب استمرار محاكمته في قضايا فساد.
ويبقى حزب «الليكود» القوة الأساسية في معسكر نتنياهو، إلا أن استطلاعات الرأي تشير إلى منافسة صعبة، مع بروز رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت وحزبه «ياشار» كأحد أبرز المنافسين.
كما يدخل رئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت ويائير لابيد السباق بتحالف «معًا»، في محاولة لتجميع أصوات المعارضة وتقديم بديل قادر على منافسة معسكر اليمين.
وتزداد تعقيدات المشهد مع حضور أحزاب اليمين القومي المتطرف، وعلى رأسها حزب «القوة اليهودية» بقيادة إيتمار بن غفير، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش، الذي يواجه خطر الاقتراب من نسبة الحسم.
وهنا تكمن العقدة الرئيسية في الانتخابات الإسرائيلية؛ إذ إن تصدر حزب واحد للنتائج لا يعني بالضرورة وصول زعيمه إلى رئاسة الحكومة. فالحاسم هو قدرة أي معسكر على جمع دعم 61 عضو على الأقل داخل الكنيست.
وبالتالي، قد تصبح الأحزاب الصغيرة، رغم محدودية مقاعدها، صاحبة الكلمة الحاسمة في تشكيل الحكومة، كما يمكن لسقوط أي حزب تحت نسبة الحسم البالغة 3.25% أن يؤدي إلى تغيير كامل في موازين القوى بين المعسكرين.
الولايات المتحدة واختبار منتصف الولاية
وتختتم الولايات المتحدة موسم الانتخابات الكبرى في 3 نوفمبر بإجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، والتي تمثل أول اختبار انتخابي واسع للإدارة الأميركية بعد عامين من تولي الرئيس ولايته.
ولا تشمل الانتخابات اختيار رئيس جديد، لكنها تحدد مستقبل السلطة التشريعية التي تملك دور رئيسي في إقرار القوانين والموازنات ومراقبة أداء الإدارة.
وسيتم انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضو فيما يتنافس المرشحون على نحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ البالغ عددها 100 مقعد.
وتكمن أهمية هذه الانتخابات في قدرتها على تغيير ميزان القوى في واشنطن؛ إذ إن فقدان الحزب الحاكم السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما يمكن أن يحول السنوات المتبقية من الولاية الرئاسية إلى مرحلة من الصراع السياسي والتشريعي.
وفي المقابل، يمنح الاحتفاظ بالأغلبية الإدارة الأميركية مساحة أوسع لتمرير أجندتها الداخلية والخارجية، وهو ما يجعل انتخابات 2026 محطة حاسمة ليس فقط للأحزاب الأميركية، وإنما لمراقبي السياسة الدولية.
انتخابات محلية وتأثيرات عالمية
رغم اختلاف الأنظمة السياسية وطبيعة الاستحقاقات، فإن الانتخابات الأربع تكشف عن اتجاه مشترك يتمثل في عودة السياسة الداخلية بقوة إلى التأثير في الملفات الدولية.
ففي البرازيل، يرتبط السباق بمستقبل أكبر قوة في أميركا اللاتينية ودورها داخل «بريكس». وفي إسرائيل، يمكن أن تحدد النتائج مستقبل الحكومة وسياساتها تجاه غزة والمنطقة. أما انتخابات الكونغرس الأميركي، فقد تؤثر في قدرة واشنطن على إدارة ملفاتها الخارجية وتمويل سياساتها الدفاعية.
وفي روسيا، يمثل تشكيل مجلس الدوما المقبل جزء من المشهد السياسي الذي ستتحرك من خلاله موسكو في السنوات المقبلة.
وبينما تبدو هذه الاستحقاقات منفصلة جغرافيا، فإن نتائجها قد تتقاطع في ملفات دولية مشتركة، تشمل الحروب والصراعات التجارية والطاقة والتحالفات الدولية.
