بعد ستة أشهر من الحرب الأمريكية مع إيران، الخدل في واشنطن امتد إلى سؤال أكثر حساسية بالنسبة للداخل الأمريكي: من يدفع ثمن السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، ومن يحقق مكاسبها؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة بالتزامن مع تصعيد عدد من الديمقراطيين في الكونجرس انتقاداتهم للحرب، بالتوازي مع الاتفاق النفطي الضخم الذي أبرمته إدارة ترامب مع فنزويلا، والذي تقول الإدارة إنه سيساعد في زيادة إمدادات الطاقة الأمريكية وإعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، بينما يرى منتقدوه أنه يفتح الباب أمام نفوذ أمريكي واسع على قطاع النفط الفنزويلي.
وفي منشورات متزامنة على منصة «إكس»، ركز أعضاء ديمقراطيون في مجلسي الشيوخ والنواب على ثلاث كلف رئيسية لسياسة ترامب: الحرب، أسعار الطاقة، وأموال دافعي الضرائب.
ستة أشهر بدلا من مهمة قصيرة
قال النائب الديمقراطي بيل فوستر على منصة إكس إن مرور ستة أشهر على الحرب يمثل تذكير بما وصفه بتعهد ترامب بأن تكون العملية العسكرية مهمة قصيرة الأجل.
وأشار فوستر إلى أن النظام الإيراني لا يزال في السلطة، مضيف أن جزء من البرنامج النووي الإيراني قد يكون لا يزال قائمًا، وأن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك القدرة نفسها على معرفة ما تفعله طهران أو التحقق من حجم المواد النووية التي تمتلكها.
وأضاف أن أفراد من القوات الأمريكية قتلوا خلال الحرب، بينما ارتفعت الأسعار داخل الولايات المتحدة، وأصبح دافعو الضرائب مطالبين بتحمل عشرات المليارات من الدولارات من تكاليف الحرب، من دون وجود هدف استراتيجي واضح أو نهاية تلوح في الأفق.
وتتزامن هذه الانتقادات مع تقييمات أوسع لأداء الحرب بعد ستة أشهر.
37 مليار دولار فاتورة الحرب تدخل المعركة السياسية
كانت التكلفة المالية في قلب انتقادات السيناتورة الديمقراطية مازي هيرونو.
وقالت هيرونو على منصة إكس إن الحرب دخلت يومها الـ182، مشيرة إلى أن ترامب كان قد تعهد بأن تستمر من أربعة إلى خمسة أسابيع فقط، قبل أن تتجاوز العمليات هذه المدة بصورة كبيرة.
وأضافت أن الحرب كلفت الأمريكيين، بحسب تقديرها، أكثر من 37 مليار دولار، وأن الرقم يواصل الارتفاع.
وفي منشور آخر، ربطت هيرونو بين استمرار الحرب والضغوط على أسعار البنزين والمواد الغذائية والطاقة، قائلة إن الرئيس الذي ينشغل بإعادة تسمية البحيرات والمباني والخلجان وحتى المحيطات لا ينهي الحرب ولا يخفض تكاليف المعيشة.
وتكشف هذه التصريحات عن محاولة الديمقراطيين نقل النقاش حول إيران من ساحة الأمن القومي إلى المائدة الأمريكية اليومية: كم يدفع المواطن مقابل الحرب؟ وهل انعكست العمليات العسكرية على أسعار الوقود والغذاء؟ وهل تتناسب هذه الكلفة مع النتائج التي حققتها واشنطن؟
722 دولار لكل أسرة
ذهبت السيناتورة الديمقراطية ماجي هاسن خطوة أبعد، مستخدمة أرقامًا محلية لتصوير التأثير الاقتصادي للحرب.
وقالت إن أسر ولاية نيوهامبشير أنفقت، منذ بداية الحرب، 383 مليون دولار إضافية على البنزين، بما يعادل متوسط 722 دولارًا لكل أسرة.
وفي منشور آخر، قالت هاسن إن ستة أشهر من الحرب شهدت مقتل أفراد من القوات الأمريكية، إلى جانب تحمل الأسر تكاليف اقتصادية إضافية وإنفاق مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب، بينما لا تزال نهاية الحرب غير واضحة.
ولا تأتي هذه الحجة من فراغ سياسي؛ فقد استخدم الديمقراطيون منذ الأسابيع الأولى للحرب ارتفاع أسعار البنزين باعتباره أحد أبرز المؤشرات على الكلفة الداخلية للصراع. وفي أبريل، قالت اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونجرس إن الأمريكيين دفعوا مليارات الدولارات الإضافية مقابل البنزين خلال الشهر الأول من الحرب.
كما أظهرت تقديرات حديثة أن تأثير الحرب على الاقتصاد الأمريكي لم يكن متساويًا بين القطاعات؛ فقد استفادت بعض الشركات والمستثمرين من ارتفاع أسعار الطاقة والإنفاق المرتبط بالحرب، بينما تحمل المستهلكون تكاليف أعلى، خصوصًا في النقل والطاقة.
من إيران إلى فنزويلا.. النفط يدخل قلب المعادلة
لكن أكثر ما يجعل تصريحات الديمقراطيين لافتة هو أنها لم تتوقف عند إيران.
السيناتور تيم كين انتقل في منشوراته إلى فنزويلا، متهمًا إدارة ترامب بأن التطورات الأخيرة تكشف، من وجهة نظره، أن الهدف الحقيقي من السياسة الأمريكية تجاه كاراكاس كان الوصول إلى النفط الفنزويلي.
وقال كين إن الولايات المتحدة أطاحت بالرئيس السابق نيكولاس مادورو، لكنها أبقت نائبته ديلسي رودريجيز في السلطة، بينما اتهم الإدارة بمنع زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو من العودة إلى البلاد وتأخير الحديث عن الانتخابات.
ثم ربط هذه التطورات بالاتفاق النفطي الجديد، قائل إن الهدف هو تمكين الولايات المتحدة من السيطرة على النفط الفنزويلي، واصفًا ذلك بأنه انتهاك للدستور الفنزويلي.
وتأتي تصريحات كين بعد إعلان ترامب اتفاق مع فنزويلا بشأن قطاع النفط، في صفقة تقول الإدارة الأمريكية إنها ستسمح بتطوير 17 حقل نفطي، بينما أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستستخدم النفط الفنزويلي للمساعدة في إعادة ملء احتياطيها النفطي الاستراتيجي.
وبحسب تفاصيل الاتفاق المنشورة، تتحدث واشنطن عن سيطرة تشغيلية أمريكية على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، مع استثمارات قد تصل إلى نحو 100 مليار دولار في قطاع النفط الفنزويلي. وتقول حكومة كاراكاس إن الاتفاق يهدف إلى إعادة بناء صناعة النفط وتطوير الحقول وزيادة الإنتاج.
ترامب يربط النفط بالأمن الأمريكي
بالنسبة إلى إدارة ترامب، لا تبدو الطاقة مجرد ملف اقتصادي منفصل عن السياسة الخارجية.
فبعد أشهر من اضطراب أسواق الطاقة بسبب الحرب مع إيران وإغلاق أو اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، أصبحت إعادة بناء الاحتياطي النفطي الأمريكي قضية استراتيجية.
وقال ترامب إن النفط الفنزويلي سيستخدم في إعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، الذي وصل إلى مستويات منخفضة للغاية.
وهنا تظهر المفارقة التي يستغلها خصوم ترامب سياسياً الحرب مع إيران رفعت الضغوط على سوق الطاقة، ثم جاءت فنزويلا لتقدم للولايات المتحدة مصدر ضخم محتمل للنفط.
لكن المشكلة أن النفط الفنزويلي لن يؤدي بالضرورة إلى انخفاض سريع في أسعار البنزين.
فإعادة تشغيل وتطوير الحقول والمنشآت الفنزويلية تحتاج إلى استثمارات ضخمة وإعادة تأهيل للبنية التحتية، ما يعني أن الأثر الكامل للصفقة على الإنتاج والأسعار قد يستغرق سنوات.
كين: الصفقة ستملأ جيوب شركات النفط
لم يكتف كين بالتشكيك في أهداف الاتفاق، بل ربطه مباشرة بالاقتصاد السياسي لترامب.
وقال إن انخفاض الأسعار، إن حدث، قد لا يكون بالحجم الذي ارتفعت به الأسعار بسبب حرب إيران، مضيفًا أن الاتفاق سيؤدي، بحسب رأيه، إلى زيادة ثروة عائلة ترامب وشركات النفط الكبرى وتأخير التحول إلى الطاقة النظيفة.
ووصف استخدام القوات الأمريكية في سبيل ما اعتبره استحواذ خاص على النفط بأنه فساد على نطاق هائل.
وتتفق هذه اللهجة مع موقف كين السابق من التدخل الأمريكي في فنزويلا؛ فقد وصف في يناير الحرب الأمريكية هناك بأنها غير قانونية وخطيرة وغير ضرورية ومرجح أن تكون فاسدة، ما يعكس أن اعتراضه على سياسة ترامب تجاه كاراكاس يتجاوز الاتفاق النفطي الأخير.
هل تتشكل معركة سياسية واحدة؟
رغم اختلاف الملفين، فإن تصريحات كين وهيرونو وهاسن وفوستر تضع إيران وفنزويلا داخل إطار سياسي واحد: استخدام القوة والنفوذ الأمريكي في الخارج، ثم محاولة قياس عائده على المواطن الأمريكي في الداخل.
في إيران، يقول الديمقراطيون إن الحرب طالت أكثر من الوعود الأولى، وإن تكلفتها البشرية والمالية تتزايد، بينما لا يزال الهدف النهائي غير واضح.
وفي فنزويلا، يرون أن واشنطن انتقلت من الضغط على كاراكاس إلى مرحلة أكثر مباشرة في إدارة قطاع الطاقة، في وقت تبحث فيه الولايات المتحدة عن مصادر نفط جديدة بعد اضطرابات سوق الطاقة المرتبطة بالحرب.
أما ترامب، فيقدم الصورة من زاوية مختلفة: الحرب تهدف إلى حماية المصالح الأمريكية ومواجهة التهديد الإيراني، بينما يمثل النفط الفنزويلي فرصة لتعزيز أمن الطاقة الأمريكي وخفض الأسعار وإعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي.
المعركة الأكبر أمريكا أولا لمن؟
لهذا، فإن المعركة السياسية التي تكشفها هذه التصريحات لا تتعلق فقط بما إذا كانت حرب إيران ناجحة أو ما إذا كان اتفاق فنزويلا جيدًا أو سيئًا.
السؤال الأعمق هو من المستفيد من سياسة «أمريكا أولًا»؟
الديمقراطيون يحاولون تقديم إجابة تقول إن الأمريكيين العاديين يدفعون جزء كبير من الفاتورة عبر أسعار الطاقة والضرائب والإنفاق العسكري، بينما تستفيد شركات النفط والصناعات المرتبطة بالحرب.
أما إدارة ترامب فتقدم إجابة معاكسة: أن استخدام القوة والنفوذ الأمريكي لتأمين الطاقة وإعادة تشكيل الأسواق العالمية يصب في النهاية في مصلحة المواطن الأمريكي.
وبين الروايتين، تظهر حقيقة أكثر تعقيد: الحرب أعادت رسم سوق الطاقة، والاتفاق الفنزويلي يمنح واشنطن ورقة نفطية ضخمة، لكن تحويل هذه الورقة إلى انخفاض ملموس في أسعار البنزين يحتاج إلى وقت واستثمارات وبنية تحتية، وليس مجرد إعلان سياسي.
